كتاب وشعراء

مَهارَةُ الحَذف . . . يوسف حنا / فلسطين

تأتي رياحُ الخريف
ولا تحملُ أَوراقًا فقط،
بل تحملُ أَسماءَ الأَشياءِ التي بالغنا في الاحتفاظِ بها،
تكنسُ الشارعَ من خطى الذين مرّوا
وتتركُ ظلالَهم معلّقةً على الأَشجار
كأَنّ الغيابَ نسيَ أَن يأخذَ آخرَ ما له منّا.
.
أُراقبُها من نافذتي
وهي تدرّبُ المدينةَ على الصمت؛
تخلعُ من الجدرانِِ ما علقَ بها من وجوه،
تمحو من الأَرصفةِ عناوينَ البيوت،
وتتركُ بابًا وحيدًا مفتوحًا في الريح،
لعلّ أَحدًا يكتشفُ أَن الطريقَ
لم يكنْ في الخارج،
وأَنّنا كنّا نمشي طوالَ العمرِ
نحوَ ما يسقطُ منّا.
.
شيئًا فشيئًا
أَتعلّمُ أَنّ القصيدةَ ليست ما أُضيفُه إِلى العالم،
بل ما أَجرؤ على إِنقاذِه من فائضِ الكلام.
أَحذفُ وردةً
فتظهرُ يدٌ كانت تختبئُ خلفَها،
أَحذفُ نافذةً
فيطلُّ منها بحرٌ لم أَرَه من قبل،
أَحذفُ اسْمَكِ
فتبقى رائحةُ صوتِكِ
تتجوّل في الغرفة
كطائرٍ يعرفُ الطريقَ إِلى قلبٍ أَعمى.
.
كلّما محوتُ سطرًا
اتسعتْ الصفحة،
كأَنَّ البياضَ ليس فراغًا
بل سماءٌ كانت الكلماتُ تحجبُها.
وحين حذفتُ آخرَ ما قلتُه لكِ
سمعتُ شيئًا يشبه سقوطَ نجمةٍ
في بئرٍ عميقة،
ثم رأَيتُ الليلَ يرفعُ رأسَه
ويبتسمُ للهاوية.
.
في الخارج
كانت الريحُ أَكثرَ حكمةً منّا؛
لم تكنْ تمحو الأَشجار،
كانت تعيدُ إِليها خفّتَها،
تُسقِطُ ما شاخَ من أَوراقِها
كي لا تضطرَّ الأَغصانُ إِلى حملِ ماضٍ
لم يعدْ يشبهُها.
.
يا لهذه المهارةِ الغامضة:
أَن تعرفَ متى تتركُ الجملةَ وحيدةً
كي تسمعَ ما تحتَها،
ومتى تحذفُ قلبًا من استعارة
فتكتشفُ أَنّ الدّمَ كان يسيلُ منذ البداية
من مكانٍ آخر.
.
لستُ أُريدُ أَن أَكتبَ قصيدةً كاملة،
أُريدُ أَن أَتركَ فيها ما يكفي
ليعثرَ القارئُ على نفسِه
بين ما قلتُه
وما خفتُ أَن أَقولَه.
.
سأَحذفُ الطريق
فتبقى الخطوة،
وأَحذفُ المسافر
فيبقى التعبُ على عتبةِ المساء،
وأَحذفُ الوطن
فيخرجُ من تحتِ الكلمة
رغيفٌ ساخنٌ،
وشجرةُ زيتون،
وطفلٌ يركضُ وراءَ طائرةٍ ورقيّة
لا تعرفُ شيئًا عن الحدود.
.
سأَحذفُ الحربَ من القصيدة
فتظهرُ يدُ أُمٍّ
تجمعُ من تحتِ الركام
زرَّ قميصٍ صغيرًا،
وتضعُه في جيبِها
كأَنّها تحفظُ به
اتجاهَ البيت.
.
وسأَحذفُ الموتَ أَيضًا،
لعلّ الذين رحلوا
يعودونَ إِلى اللغة
بلا أَسماء،
بلا تواريخ،
بلا صورٍ معلّقةٍ على الجدران؛
يعودونَ كما يعودُ الضوءُ إِلى غرفةٍ قديمة
بعد أَن يفتحَ أَحدٌ الستارة.
.
هكذا تُعلّمني الريحُ
أَن الشجرةَ لا تكبرُ بما تحتفظُ به،
وأَن النهرَ لا يصلُ إِلى البحر
إِلّا بعد أَن يتخلّى
عن شكلِ الضفّة.
.
وأَنا،
كلّما اقتربتُ من آخرِ القصيدة،
أَخلعُ عن الكلامِ معاطفَه،
أَتركُ للمعنى عظامَه العارية،
وأَمضي.
.
لا أُريدُ خاتمةً
تغلقُ البابَ خلفي؛
أُريدُ ريحًا تعبرُ الصفحة،
تكنسُ اسْمي من آخرِ السطر،
ثم تتوقفُ لحظةً
لتتركَ في البياضِ
أَثرَ قدمٍ واحدة—
هناك،
حيث لا شيءَ مكتوب،
تبدأُ القصيدة.
.
يوسف حنا
.
اللوحة بعنوان “خريف في الغابة” من أعمال الرسام الروماني دْراغوش غريجينكو Dragos Grijincu

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى