
لم تعد الأبواب تُفتح كما كانت، ولم تعد الجدران تئنّ بصمت كما اعتادت. بيتي وبيت أمي، تلك الأماكن التي كنَّا نلوذ بها من صخب العالم، تحوّلت إلى هياكل خاوية، ظلالها ثقيلة، وهواؤها يملأه رماد الحنين. وقلبي، ذلك المسكن الأليف الذي كان يحتضن حزني وحزن أمي، لم يعد يحتمل قطرةً إضافية من الألم. هو الآن شقوقٌ متعرّجة، تهدد بالسقوط مع أي نبضةٍ جديدة.
أحزن، ليس فقط على جدران فقدت دفء الأرواح، بل على أرواحٍ فقدت دفء الحياة. شعبٌ يسير بخطى ثقيلة، يحمل في عروقه شظايا الأمل، لكن وجهه لا يعكس سوى وجع الأيام. يتظاهرون بالحياة، وهم أموات منذ أزمانٍ بعيدة، كل منهم ينكر الموت الذي يسكن أضلاعه، كأنه عارٌ يخشى أن يبوح به.
مازال كل ما يحدث، وكل ما سيحدث، كافياً ليملأ السماوات بالبكاء. لكنّ العيون، تلك النوافذ التي كنَّا نطلّ منها على ضعفنا وقوتنا، أغلقت أبوابها. لم تعد قادرة على البكاء، ولا حتى على الرؤية. أصبحت مثلنا، فاقدةً لوظيفتها، ضائعةً بين ضجيج الحياة وصمت الموت.
لكن ماذا لو كانت الدموع هي الحقيقة الوحيدة التي بقيت لنا؟ أنبكي؟ ليس لنحيا، بل لنحرق هذا العجز الكامن في صدورنا، لعلّنا نستعيد شيئاً من ذاكرتنا المفقودة، ذاكرة المدن التي لم تعد تعرف أسماؤها، ذاكرة الأشجار التي فقدت أوراقها، وذاكرة الأغاني التي ماتت قبل أن تُغنّى.
ورغم كل شيء، ما زلت أحمل في داخلي قطعة صغيرة من الضوء، لا أعرف إن كانت بقايا حلمٍ قديم، أو وهماً صنعته كي لا أُجنّ. لكنني أتشبّث بها، كما يتشبّث الغريق بخشبةٍ وسط بحرٍ هائج. أعرف أني لن أنجو، لكن يكفيني أنني مازلت أقاوم، أنني مازلت أرى في البكاء لغةً لا يفهمها سوى من يتقن فنّ الحياة في مواجهة الموت.
تغريد بو مرعي – لبنان – البرازيل