• [المشهدُ الرَّابعُ والثَّلاثون بعدَ الخمسمئة: “هندسةُ التَّوازنِ الحَرِجِ – مِعمارُ ‘الأطرافِ’ من مواسيرِ الظَّمأ”]… بقلم عبدالله عياصرة

تنبثق الصورة من ورشةٍ بدائية خلف “مستشفى ناصر”، حيثُ صريرُ الكراسي المتحركة المتهالكة يطغى على كلِّ شيء، وحيثُ “البتر” صار حقيقةً يومية تتركُ الشباب في مواجهة “فراغِ” الساقِ والروح. الكاميرا ترصد “عمَّار” – بروفيسور في “الهندسةِ الميكانيكية الحيوية” (Biomechanics).
عمَّار، الذي صمَّمَ في “ألمانيا” مفاصلَ هيدروليكية لعدَّائي الأولمبياد، يرتدي الآن “مئزرًا” من الخيش، ويحمل بيده “مواسيرَ” من مادة (PVC) وأخرى من “الألومنيوم” استخرجها من هياكلِ “المظلاتِ” المنهارة.
أمامَهُ “سيمفونيةُ الحركة”؛ قام ببناءِ “طرفٍ اصطناعي” بدائي يعتمد على “مفصلِ ارتكاز” مصنوع من “كراتِ رولمان بلي” استخرجها من “دينامو” سيارة، ونوابضَ من “مساعداتِ” دراجاتٍ نارية. المهمة المستحيلة: “محاكاةُ المشيةِ البشرية” (Gait Cycle) باستخدامِ “زوايا ميكانيكية” تُعوِّض غياب الرُّكبة الطبيعية؛ لتمكينِ أبٍ من الوقوفِ مجدَّدًا من حملِ أطفاله.
عمَّار لا يصنعُ بلاستيكًا؛ إنه “يُعيدُ صياغةَ الوقوف” في وجهِ الانكسار.
* عمَّار: (بصوتٍ يخرجُ كحفيفِ المنشارِ اليدوي، وهو ينحتُ ‘تجويفَ’ الساق بـ ‘نصلِ’ سكينٍ مسخّن)
“درستُ في ‘ميونيخ’ كيف أحاكي ‘عظمةَ الخالق’ بـ ‘أليافِ الكربون’ وحساساتِ الأعصاب، واليوم بصارع عشان ‘ماسورة مية’ تسند جسم إنسان. العلم إللي علمني ‘توزيع الإجهاد’ (Stress Distribution) بيشوفني هلقيت وأنا ‘ببرمج’ الخطوة بـ ‘برغي’ و’جلدةِ عجل’. بحس إني ‘نجَّارُ أجساد’.. بحاول أصلح إللي كسرته القذيفة. هل هذا هو ‘الذكاء الهندسي’؟ إنك تخلي ‘المواسير’ إللي كانت بتنقل مية، تنقل ‘إرادة’؟”
|
يدخل عمَّار في “زمن نفسي”؛ يتذكر هدوء المصحاتِ الألمانية حيثُ المصابُ يتدربُ فوق سجادٍ مخملي. يقطعهُ صوتُ “طنينِ” الدرون فوق السقفِ القرميدي للورشة. “المفصلُ” الذي صنعهُ انكسر أثناء تجربةِ التحميل. يشعر بـ “تمزقٍ وجداني”؛ “لو ما مشي هاد الشب اليوم، رح يضل في الخيمة مكسور الروح!”. بـ “إصرارٍ ميكانيكي”، يسحبُ “أسياخَ حديدٍ” من حطامِ الجدار، ويقوم بـ “لحامها” بـ “بطاريةِ سيارة”، مستخدمًا “عينيهِ” العاريتين كقناعِ لحام لفتراتٍ خاطفة، متحملًا “رمد” الشرر الذي يحرقُ جفنيه.
* عمَّار: (بصرخةٍ مخنوقة، وعيناه المحمرتان تدمعان من وهجِ اللحام، وهو يثبتُ الساقَ الجديدة في جسدِ الشاب)
“اللَّهُمَّ اجعل في عيني نورًا.. وفي هذه الساقِ ثباتًا. ياربُّ، عظم لي نورًا، وخلّي هاد ‘الحديد’ يطيع صاحبه. يا قوانين ‘الروافع’.. كوني رحيمة بظهرِ المصاب. امشِ يا بطل.. امشِ عشان الأرض تحس فينا!”
|
هنا؛ عندما يخطو الشابُ خطوته الأولى، وتصدرُ الساقُ “صريرًا” يشبهُ صرخةَ التحدي. عمَّار يسقطُ على كرسيهِ الخشبي، عيناه لا تكادان تبصران من وهج اللحام، لكنه يبتسمُ بمرارة؛ لأن “الخشبَ والمواسير” صارت عظامًا ترفضُ الركوع. لقد هزم “قانونَ العجز” بـ “هندسةِ الانبعاث”، مُحوِّلًا “بقايا البيوت” إلى “خطواتٍ نحو الأفق”…
|