رؤي ومقالات

علي أبوحبلة يكتب:«الكرك».. استهداف المسيحيين تهديدٌ لعروبة المشرق ونموذج العيش المشترك

تكشف جريمة استهداف كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، وفق ما تداولته التقارير، عن خطورة التطرف العنيف حين يستهدف دور العبادة ويحوّل الاختلاف الديني إلى أداة للقتل والترهيب. وقد أفادت تقارير أولية بسقوط قتلى وجرحى، فيما تظل الحصيلة النهائية والتفاصيل الدقيقة رهن البيانات الرسمية ونتائج التحقيق. وأمام هذه المأساة، تبرز ضرورة إدانة الجريمة، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، وحماية السلم الأهلي من الشائعات ومحاولات إثارة الفتنة.

إن استهداف المدنيين ودور العبادة لا تبرره أي ذريعة، والاعتداء على أي مكوّن من مكونات المجتمع هو اعتداء على المجتمع والدولة بأكملها. لذلك، لا ينبغي النظر إلى ما جرى في الكرك باعتباره حادثًا أمنيًا فحسب، بل باعتباره اختبارًا لقدرة المجتمعات على حماية التعددية والمواطنة المشتركة.

المسيحيون العرب.. شركاء في التاريخ والهوية

قلتُها في الماضي وأقولها اليوم: إن استهداف المسيحيين في المشرق لا يهدد جماعة دينية وحدها، بل يمسّ التنوع الحضاري والهوية العربية الجامعة. فالمسيحيون العرب شركاء أصيلون في بناء الثقافة والفكر والتعليم والصحافة والحركات الوطنية، ولم يكونوا يومًا غرباء عن تاريخ المنطقة أو هامشًا في مجتمعاتها.

العروبة ليست هوية دينية مغلقة، بل رابطة لغة وتاريخ وثقافة ومصير مشترك. ومن ثمّ، فإن حماية الوجود المسيحي في فلسطين والأردن ولبنان وسوريا والعراق مسؤولية وطنية وعربية وإنسانية، وليست شأنًا يقع على عاتق الكنائس أو المسيحيين وحدهم.

وقد أسهم مسيحيو لبنان والمشرق العربي في الحياة الثقافية والسياسية والفكرية، وكان لهم حضور بارز في النهضة العربية وتطوير الصحافة والتعليم والعمل الوطني. إن إضعاف هذا الوجود، بفعل الحروب أو الإرهاب أو التهجير أو الأزمات الاقتصادية، يعني خسارة جزء أصيل من ذاكرة المنطقة وتنوعها.

من الصراع السياسي إلى الانقسام الديني

من أخطر نتائج التطرف تحويل الصراعات السياسية المرتبطة بالاحتلال والحقوق والسيادة إلى مواجهات دينية وطائفية. فحين تتراجع الهوية الوطنية الجامعة، تتسع الانقسامات وتستفيد منها القوى التي تجد في تفكك المجتمعات فرصة لتعزيز نفوذها.

لكن التحليل الموضوعي يقتضي التمييز بين النتائج التي تخدمها الانقسامات وبين الادعاء بوجود مخطط موحد تقوده جهة بعينها لإفراغ المشرق من المسيحيين؛ فمثل هذه الاتهامات تحتاج إلى أدلة موثقة وتحقيقات مستقلة، لا إلى الاستنتاجات وحدها.

وتؤكد تجارب العراق وسوريا وفلسطين ولبنان أن النزوح والهجرة لا ينتجان عن عامل واحد، بل عن تداخل العنف وانعدام الأمن والأزمات الاقتصادية والتمييز والاضطراب السياسي. ولذلك، لا تكفي بيانات التضامن، بل لا بد من معالجة الأسباب التي تدفع الناس إلى مغادرة مدنهم وقراهم.

الأردن.. المواطنة وسيادة القانون

تتطلب مواجهة تداعيات جريمة الكرك تحقيقًا شفافًا، ومحاسبة عادلة، وملاحقة مصادر التحريض والتمويل غير المشروع حيث تثبت الأدلة، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات الأمنية والقضائية والتربوية والدينية والإعلامية. كما تستوجب الامتناع عن تحميل جماعة دينية بأكملها مسؤولية أفعال أفراد أو تنظيمات.

وتبرز هنا القيمة التاريخية للعهدة العمرية المرتبطة بدخول الخليفة عمر بن الخطاب إلى القدس، وما ارتبط بها في الذاكرة الإسلامية من حماية السكان المسيحيين وكنائسهم وصون أمنهم الديني. وتبقى هذه الدلالة التاريخية تذكيرًا بأن العدل وحماية دور العبادة وصون كرامة الإنسان قيم راسخة في تراث المنطقة، لا تناقض بينها وبين الانتماء الوطني أو الديني.

دعوة إلى تحرك عربي عملي

إن المطلوب اليوم يتجاوز الإدانة إلى خطوات ملموسة: دعم تحقيق مهني مستقل، وحماية دور العبادة، وتعزيز التعاون العربي في مكافحة التطرف وتمويله، وإطلاق برامج تعليمية وإعلامية لمواجهة خطاب الكراهية، وتكريس المواطنة المتساوية وضمان الحقوق والحريات للجميع. كما ينبغي دعم بقاء المجتمعات المسيحية في مدنها التاريخية، عبر حماية الممتلكات وتوفير فرص العمل والتعليم والأمن، وعدم تركها أمام خيار الهجرة القسرية أو الرحيل بحثًا عن الاستقرار.

إن حماية المسيحيين العرب هي حماية لعروبة المشرق وتاريخه وتعدديته، كما أن حماية المسلمين والدروز وسائر المكونات مسؤولية واحدة لا تتجزأ. فالمشرق لا يُصان بإقصاء أبنائه، ولا تُحمى العروبة بإثارة الانقسامات، بل بدولة القانون والعدالة والمواطنة.

فكما جسّد التاريخ الإسلامي في القدس قيمة حماية أهلها وحقوقهم، ينبغي أن تكون الكرك اليوم مناسبة لتجديد عهد العيش المشترك: لا مكان للإرهاب، ولا حصانة للمعتدي، ولا تمييز بين مواطن وآخر بسبب دينه. إن وحدة المشرق تبدأ بحماية الإنسان، وتصان بالعدل، وتستمر بالشراكة في الوطن والمصير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى