رؤي ومقالات

محمود سيد محمد يكتب:الجزائر تكسر المحظور.. هل تشتعل جبهة الساحل؟

لم يعد التحرك الجزائري تجاه النيجر مجرد تعاون عسكري بين دولتين متجاورتين، بل أصبح مؤشرًا على تغير في حسابات الأمن القومي الجزائري. فالدولة التي تمسكت طويلًا بمبدأ عدم التدخل العسكري خارج حدودها تواجه اليوم واقعًا أمنيًا يفرض عليها إعادة النظر في أدوات التعامل مع التهديدات المحيطة بها، خصوصًا مع اتساع نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل وتراجع قدرة بعض الحكومات على السيطرة على أراضيها.
في 25 أكتوبر 2026، وافق مجلس الأمة الجزائري بالإجماع على قرار إرسال قوات إلى النيجر، استجابة لطلب من القيادة النيجرية لمواجهة التهديدات الأمنية ومحاولات زعزعة الاستقرار. وتأتي الخطوة وسط مخاوف من انتقال الاضطرابات إلى الحدود الجزائرية، بما يهدد أمن البلاد ومصالحها الاقتصادية في المنطقة.
تحرك سبق قرار البرلمان
لم يبدأ التعاون العسكري بين الجزائر ونيامي بالتصويت الأخير. ففي أغسطس 2026، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية تقديم أربع مروحيات عسكرية للنيجر، بينها مروحيتان من طراز «مي-24 في» ومروحيتان من طراز «مي-171»، إلى جانب الذخائر وقطع الغيار ومعدات الصيانة.
وفي 30 أغسطس، أعلنت الوزارة إرسال أربع مقاتلات «سوخوي سو-30» وطائرة للتزود بالوقود إلى نيامي، دعمًا للجيش النيجري، وفق البيانات والتقارير المتعلقة بالواقعة.
يكشف هذا التسلسل انتقال التعاون من توفير المعدات إلى الدعم الجوي، وصولًا إلى فتح الباب أمام إرسال قوات. ومع ذلك، فإن حجم القوة البرية المحتملة وطبيعة مهامها ومدة انتشارها تظل تفاصيل أساسية لا يمكن حسمها من دون إعلان رسمي واضح.
وتنظم المادة 91 من الدستور الجزائري إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج، مشترطة موافقة البرلمان بأغلبية الثلثين في كل غرفة. ولذلك، فإن تصويت مجلس الأمة يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يثبت وحده اكتمال الإجراءات الدستورية المطلوبة.
أمن الحدود ومخاطر الاستنزاف
تدرك الجزائر أن تدهور الأوضاع في النيجر لن يبقى محصورًا داخل حدودها. فالمناطق الصحراوية الواسعة، وضعف التنسيق الأمني، ونشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، تجعل انتقال التهديدات إلى دول الجوار خطرًا قائمًا.
وتمتلك الجزائر قدرات عسكرية معتبرة وخبرة طويلة في مكافحة الإرهاب، لكن العمليات خارج الحدود تختلف عن تأمين الأراضي الوطنية. فهي تحتاج إلى خطوط إمداد مستقرة، ومعلومات استخباراتية دقيقة، وتنسيق مستمر مع القوات المحلية، فضلًا عن تحديد قواعد الاشتباك ومهام الوحدات المشاركة.
وتكمن المخاطرة في احتمال اتساع المهمة بمرور الوقت. فقد يبدأ الانتشار بحماية مواقع استراتيجية أو تقديم الدعم للقوات النيجرية، ثم تتزايد الالتزامات مع استمرار الهجمات واتساع رقعة المواجهات. وعندها قد تجد الجزائر نفسها أمام مسؤوليات عسكرية تتجاوز الأهداف التي دفعتها إلى التحرك في البداية.
لهذا، فإن وضوح المهمة ومدتها وشروط إنهائها عوامل لا تقل أهمية عن حجم القوة العسكرية. فالتفوق في المعدات لا يضمن وحده حسم مواجهة طويلة في بيئة صحراوية تستطيع الجماعات المسلحة استغلال مساحاتها وطرقها الوعرة.
النفط والغاز في حسابات الجزائر
للتحرك الجزائري أبعاد اقتصادية واضحة. فالتعاون في مجال المحروقات، وأنشطة التنقيب عن النفط في منطقة كافرا، ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، كلها مصالح ترتبط بدرجة الاستقرار في النيجر.
ويستهدف مشروع الأنبوب نقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر، ومنها إلى الأسواق الخارجية، لكنه لا يزال مشروعًا قيد التطوير، وليس خطًا يعمل بالفعل. وقد يؤدي استمرار الاضطرابات إلى رفع تكاليف الاستثمار والتأمين والنقل، فضلًا عن تأخير مشروعات الطاقة والتعاون الاقتصادي.
ومع ذلك، لا تكفي القوة العسكرية لحماية هذه المصالح على المدى الطويل. فالتأمين الميداني قد يحمي منشأة أو طريقًا، لكنه لا يعالج ضعف مؤسسات الدولة أو الظروف الاقتصادية التي تستفيد منها الجماعات المسلحة. والاستقرار المستدام يحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة المناطق الحدودية وتوفير الخدمات وفرض القانون.
تنافس دولي على النفوذ
منذ انقلاب النيجر في يوليو 2023، تغيرت علاقات نيامي بالقوى الخارجية. فقد تراجع الوجود العسكري الفرنسي والأمريكي، واتجهت السلطات النيجرية إلى توسيع تعاونها مع روسيا، بالتوازي مع تعزيز علاقاتها مع مالي وبوركينا فاسو ضمن تحالف دول الساحل.
لم يؤدِّ هذا التحول إلى إنهاء التهديدات الأمنية، لكنه أعاد تشكيل المنافسة على النفوذ في المنطقة. ويضيف التحرك الجزائري طرفًا إقليميًا يمتلك حدودًا مباشرة مع النيجر ومصالح أمنية واقتصادية مرتبطة باستقرارها.
ولا توجد أدلة كافية على أن الجزائر تنسق عسكريًا مع روسيا في هذه الخطوة، أو أنها تتحرك لمواجهة فرنسا أو الولايات المتحدة. كما أن تحديد مواقف المغرب وتونس وليبيا من القرار يحتاج إلى بيانات رسمية، بعيدًا عن الافتراضات غير المدعومة.
وفي ظل استمرار العنف، تتحمل المجتمعات المحلية نصيبًا كبيرًا من الخسائر. فالفقر وضعف الخدمات وتراجع فرص العمل عوامل تساعد الجماعات المسلحة على توسيع نفوذها، ما يجعل الحل العسكري وحده غير كافٍ لمعالجة جذور الأزمة.
رأيي الشخصي: القوة تحتاج إلى حسابات دقيقة
في تقديري، من حق الجزائر التحرك لحماية أمنها القومي عندما تتحول الأزمات في دول الجوار إلى تهديد مباشر لحدودها ومصالحها. لكن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بعدد القوات التي تصل إلى النيجر، بل بقدرتها على تحقيق أهداف محددة والعودة من دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة.
أرى أن الجزائر لا تحتاج إلى إثبات قوتها العسكرية بقدر حاجتها إلى توظيفها بحسابات دقيقة. فالتدخل الذي يفتقر إلى جدول زمني واضح وأهداف قابلة للتحقيق قد يتحول إلى عبء أمني واقتصادي يصعب التخلص منه، حتى لو كانت دوافعه مشروعة.
والأجدى هو الجمع بين التعاون العسكري المنضبط، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتأمين الحدود، ودعم قدرة المؤسسات النيجرية على فرض الاستقرار. أما المواجهة المفتوحة من دون تصور واضح لنهايتها، فقد تستنزف موارد الجزائر وتزيد اضطراب منطقة الساحل بدلًا من احتوائه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى