منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية: إنقاذ الأمن القومي العربي يبدأ بتفعيل الجامعة العربية واستعادة التضامن الشعبي
العرابي: التضامن العربي ضرورة استراتيجية وليس مجرد شعار

القاهرة: مجدي بكري
أكدت منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية أن مواجهة التحديات المتصاعدة التي تهدد الأمن القومي العربي لم تعد تحتمل الاكتفاء بالشعارات والبيانات السياسية، وإنما تستدعي تحركًا عربيًا جادًا يستند إلى إرادة سياسية مشتركة، وتكامل بين الحكومات والمؤسسات الإقليمية، وتضامن شعبي واعٍ يعيد الاعتبار لوحدة المصير والمصالح العربية. وشددت على ضرورة تفعيل دور جامعة الدول العربية، وتطوير آليات عملها، وتحويلها إلى إطار فاعل للتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، بما يساعد الدول العربية على الخروج من حالة التراجع والانقسام، واستعادة قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث الإقليمية والدولية.
جاء ذلك خلال الندوة الموسعة التي نظمتها المنظمة بالقاهرة تحت عنوان «الأمن القومي العربي.. شراكة التاريخ ووحدة المصير وضرورة التضامن العربي»، بمشاركة الدكتور عادل المسلماني، نائب رئيس المنظمة، ونخبة من السياسيين والأكاديميين والخبراء العرب، فيما أدار أعمال الندوة وحواراتها الاستراتيجية الأستاذ الدكتور أحمد يوسف أحمد، الذي تناول أبعاد التحديات الأمنية والسياسية المشتركة، والصراعات الداخلية وتداعيات التحولات الدولية على استقرار المنطقة، مؤكدًا أهمية بلورة رؤية عربية واضحة تحدد الأولويات وتتيح التعامل مع المخاطر الراهنة بصورة جماعية واستباقية.
وافتتح الندوة السفير محمد العرابي، رئيس منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية ووزير الخارجية المصري الأسبق، مؤكدًا أن التضامن العربي ووحدة المصير لم يعودا مجرد شعارات سياسية، بل أصبحا ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات المتسارعة والتحديات التي تواجه الدول العربية، في ظل تصاعد الصراعات وتزايد التدخلات الخارجية وتراجع القدرة على التأثير الجماعي.
ودعا العرابي إلى تجاوز الخلافات وتغليب المصالح العليا للأمة العربية، والانتقال من المبادئ العامة إلى خطوات عملية ومشروعات تنموية تعزز التنسيق والتكامل بين الدول العربية، مشددًا على أهمية أن تسفر الندوة عن توصيات واضحة قابلة للتنفيذ، بما يسهم في دعم متخذي القرار والاستجابة لتطلعات الرأي العام العربي.
وشدد على أهمية أن تتحول الدعوات إلى التضامن إلى مسارات عمل ملموسة، تعيد الاعتبار للمصالح العربية المشتركة، وتدعم قدرة الدول العربية على التعامل مع الأزمات باعتبارها تحديات مترابطة لا يمكن مواجهتها بجهود منفردة.
وأكدت المناقشات أن الخروج من الأوضاع العربية الراهنة يتطلب مراجعة آليات العمل العربي المشترك، وفي مقدمتها تطوير دور جامعة الدول العربية وتعزيز قدرتها على الوساطة وتسوية النزاعات، وتنسيق المواقف السياسية والدبلوماسية، ومتابعة تنفيذ القرارات الصادرة عنها، بما يضمن الانتقال من ردود الفعل المتأخرة إلى التحرك المبكر والفعال لاحتواء الأزمات ومنع تفاقمها.
كما برزت أهمية استعادة الدور الشعبي في دعم التضامن العربي، باعتباره ركيزة لا غنى عنها لاستدامة أي مشروع للتكامل والوحدة. فالتضامن لا يقتصر على مواقف الحكومات، بل يتطلب أيضًا مشاركة الأحزاب والنقابات والاتحادات المهنية ومنظمات المجتمع المدني والمثقفين والإعلاميين والشباب، في بناء وعي عربي مشترك، وتعزيز التواصل بين الشعوب، ومقاومة خطاب الكراهية والانقسام، والدفاع عن المصالح العربية الجامعة.
وشددت الرؤى المطروحة على أن الشعوب العربية ليست مجرد متلقٍ لقرارات الحكومات، بل شريك في صياغة مستقبل المنطقة، من خلال الحوار والتفاعل المجتمعي، ودعم المبادرات المشتركة، وتعزيز الروابط الثقافية والإنسانية، والمطالبة بترجمة الاتفاقات العربية إلى سياسات تستجيب لاحتياجات المواطنين وتحمي أمنهم وكرامتهم ومستقبلهم.
وشهدت الندوة نقاشات موسعة ومداخلات تناولت سبل تعزيز التضامن العربي وتطوير آليات التعامل مع التهديدات المشتركة. ودعا الأستاذ طالع الأطلسي، نائب رئيس المنظمة من المغرب، إلى الاستثمار في المؤسسات العربية القائمة وتفعيل آليات التنسيق الأمني والدبلوماسي الجماعي، فيما شدد الدكتور ذيب القرالة من الأردن على تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والعسكري والامني،، وتفعيل العمل المشترك لمواجهة التحديات وصون الامن والاستقرار في ظل الظروف الحرجة التي تمر بها الامة العربية خلال هذه الفترة، وتداعياتها المستقبلية.
وتناولت مداخلات أخرى أهمية الانتقال إلى دبلوماسية استراتيجية أكثر فاعلية، تقوم على تنسيق المواقف العربية ورفض التدخلات الخارجية، وصياغة رؤية مشتركة للتعامل مع الأزمات. وأبرزت الدكتورة ليلى موسى من سوريا دور المنظمة في تعزيز الوعي القومي وتوفير منصات للحوار الفكري والسياسي بين النخب العربية، وأكدت اهمية دور الشعوب في مواجهة الازمات والتحديات التي تواجه المنطقة، والظروف المضطربة التي يعاني منها الاقليم برمته، و ضرورة تفعيل دور المجتمع المدني، والاعلام في مواجهة ثقافة وخطاب الكراهية والعنصرية، وذلك من خلال تبني خطاب إيجابي يبني جسور التواصل، ويعزز الثقة بين ابناء الدولة الواحدة، ومع شعوب الدول الاخرى.
فيما استعرض الدكتور علي الخولاني من اليمن مخاطر التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، وأهمية التنسيق المشترك لحماية أمن الدول العربية واستقرارها.
وأكدت المناقشات أن التحديات التي تواجه المنطقة، من النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية إلى التهديدات المائية والغذائية والاقتصادية، تفرض الانتقال من معالجة كل أزمة بمعزل عن الأخرى إلى مقاربة عربية شاملة تدرك الترابط بين أمن الدول واستقرار المجتمعات، وتضع المصالح المشتركة فوق الحسابات الضيقة.
وأكد الكاتب الصحفي نزار الخالد، مساعد رئيس منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية، أن الندوة تمثل خطوة جادة نحو صياغة رؤية عربية متكاملة للتعامل مع تحديات المرحلة الراهنة، مشددًا على أن حماية الأمن القومي العربي تتطلب توحيد الصفوف، وتعزيز العمل المؤسسي المشترك، والانتقال من أطر الحوار وتبادل الرؤى إلى مسارات تنفيذية ملموسة تحفظ سيادة الأوطان وتصون مقدرات الشعوب.
وأشار إلى أهمية التكامل بين الجهد الرسمي والحراك الشعبي المنظم، بما يعزز التواصل بين المجتمعات العربية، ويدعم المبادرات المشتركة، ويعيد الاعتبار لفكرة المصير العربي المشترك. كما تبرز الحاجة إلى دور فاعل للإعلام العربي في تنمية الوعي بالتحديات المشتركة، وتصحيح الصور النمطية المتبادلة، ومواجهة خطاب الفرقة، وتسليط الضوء على المصالح التي تجمع الشعوب العربية بدلًا من الاكتفاء برصد الخلافات بينها.
نحو رؤية عربية قابلة للتنفيذ
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن بناء أمن قومي عربي مستدام يتطلب إرادة سياسية واعية، وتكاملًا اقتصاديًا وتنمويًا، وتعاونًا مؤسسيًا أكثر فاعلية، إلى جانب مشاركة شعبية واسعة تدعم التقارب العربي وتمنحه قاعدة مجتمعية راسخة.
وأكد المشاركون أهمية أن تضطلع جامعة الدول العربية بدور أكثر فاعلية في احتواء النزاعات وتسوية الخلافات، وتنسيق المواقف العربية إزاء القضايا الإقليمية والدولية، ومتابعة تنفيذ القرارات والاتفاقات المشتركة، بما يعيد الثقة في العمل العربي الجماعي ويعزز قدرته على الاستجابة للتحديات.
وجددت منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية التزامها بمواصلة دورها في دعم الحوار العربي وتعزيز التواصل بين المفكرين والخبراء والنخب السياسية والإعلامية، والعمل على بلورة توصيات عملية تسهم في حماية المصالح العربية المشتركة.
وخلصت الندوة إلى رسالة مفادها أن وحدة المصير العربي لا يمكن أن تظل مجرد إرث تاريخي أو خطاب سياسي، بل ينبغي أن تتحول إلى مشروع عمل مشترك تتكامل فيه إرادة الدول مع وعي الشعوب، وتلتقي فيه فاعلية المؤسسات مع المبادرات المجتمعية، حتى تستعيد الأمة العربية قدرتها على حماية أمنها وصون مقدراتها وصناعة مستقبلها.