صحه ومرأه

د. سهير ديب تكتب:الشخصية الحدية لدى المراهقين.. هل نفهم تقلباتهم أم نكتفي بوصفهم بالمبالغة؟

كم مرة سمعنا عن مراهق بأنه عصبي، حساس أكثر من اللازم، متقلب المزاج، أو لا يستطيع الحفاظ على علاقة مستقرة؟ وكم مرة اختصرنا معاناته في عبارة: «إنه يريد لفت الانتباه»؟

لكن ماذا لو كانت بعض هذه التصرفات تعبر عن صعوبات نفسية أعمق تحتاج إلى فهم واحتواء وتقييم متخصص؟

تُعد مرحلة المراهقة من أكثر المراحل حساسية في تكوين الشخصية؛ ففيها تتشكل الهوية، وتتغير العلاقات، وتزداد الحاجة إلى الاستقلال والقبول والانتماء. ومن الطبيعي أن نشهد خلالها تقلبات انفعالية وتجارب متباينة، لكن في بعض الحالات تتجاوز الصعوبات حدود التغيرات المعتادة في هذه المرحلة.

ومن الموضوعات التي تستحق اهتمامًا خاصًا اضطراب الشخصية الحدية، الذي يرتبط بصعوبات واضحة في تنظيم الانفعالات، وحساسية شديدة تجاه الرفض أو الهجر، وعدم استقرار العلاقات، واضطراب صورة الذات، وقد يصاحبه اندفاع في السلوك.

قد يعيش المراهق موقفًا بسيطًا، مثل تأخر صديق في الرد على رسالة، فيفسره باعتباره رفضًا أو تخليًا عنه. وقد ينتقل من الشعور بالقرب الشديد من شخص إلى الغضب منه بسبب موقف يراه الآخرون عاديًا. كما قد يشعر أحيانًا بفراغ داخلي أو بصورة سلبية عن نفسه، لا يستطيع التعبير عنها بالكلمات.

المهم هنا ألا ننظر إلى هذه التصرفات باعتبارها مجرد سوء تربية أو رغبة في إثارة الانتباه، وفي الوقت نفسه ألا نتسرع في وضع تشخيص نفسي لكل مراهق سريع الغضب أو شديد الحساسية.

فالتغيرات الانفعالية جزء من النمو، وتشخيص اضطراب الشخصية الحدية في هذه المرحلة يحتاج إلى تقييم إكلينيكي دقيق، وملاحظة نمط مستمر وشديد من الأعراض، وتأثيره في حياة المراهق، مع استبعاد الحالات النفسية والنمائية الأخرى.

وهنا يأتي دور الأسرة. فالمراهق الذي يعاني من صعوبة في تنظيم مشاعره لا يحتاج إلى السخرية من انفعالاته، ولا إلى تجاهل ألمه، ولا إلى الاستجابة لكل سلوك اندفاعي بطريقة تعزز استمراره. إنه يحتاج إلى بيئة تجمع بين الاحتواء والوضوح، وبين التعاطف والحدود الثابتة.

ومن المهم أن يتعلم الأهل أن الاعتراف بمشاعر أبنائهم لا يعني الموافقة على كل تصرفاتهم. يمكننا أن نقول للابن: «أنا أفهم أنك غاضب ومتألم، لكن لا يمكننا التعبير عن الغضب بإيذاء الآخرين».

أما من الناحية العلاجية، فهناك تدخلات نفسية متخصصة يمكن أن تساعد المراهقين الذين يعانون من هذه الصعوبات، ومن أبرزها العلاج الجدلي السلوكي المكيف للمراهقين (DBT-A)، الذي يعمل على تنمية مهارات تنظيم الانفعالات، وتحمل الضغوط، وتحسين العلاقات، والتعامل مع الاندفاعية.

كما أن إشراك الأسرة في العملية العلاجية يمثل عنصرًا مهمًا في كثير من الحالات، إلى جانب تقييم أي سلوك لإيذاء النفس أو أفكار انتحارية والتعامل معها بجدية.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله مع مراهق يعاني نفسيًا هو أن نحكم عليه قبل أن نفهمه، أو أن نختزل معاناته في وصف أخلاقي أو سلوكي.

فليس كل مراهق صعب التعامل مريضًا نفسيًا، وليس كل سلوك مزعج دليلًا على اضطراب، لكن كل معاناة مستمرة تستحق أن ننتبه إليها.

المراهق لا يحتاج دائمًا إلى من يطالبه بأن يهدأ، بل قد يحتاج إلى من يساعده على فهم ما يحدث داخله، ويعلمه كيف يتعامل مع مشاعره دون أن تؤذيه أو تؤذي الآخرين.

إن فهم الصحة النفسية في مرحلة المراهقة ليس رفاهية، بل استثمار في إنسان المستقبل، وفي أسرة أكثر وعيًا ومجتمع أكثر رحمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى