ديناميكية الفقد وإيقاع الحركة دراسة أسلوبية في نص الشاعر السوري زكريا شيخ أحمد «كوردستان في ساعة الخبز» وأفقها العالمي بقلم: محمد وليد يوسف

ديناميكية الفقد وإيقاع الحركة
دراسة أسلوبية في نص الشاعر السوري زكريا شيخ أحمد «كوردستان في ساعة الخبز» وأفقها العالمي
بقلم: محمد وليد يوسف
يقدم الشاعر زكريا شيخ أحمد في نصه “كوردستان في ساعة الخبز” قراءة شعورية مكثفة للهوية الكردية والاغتراب فتتحول كوردستان من جغرافيا سياسية إلى مسافة عاطفية تفصل بين جيلين ومكانين.
تتأسس القصيدة على بنية حركية بصرية عالية الكثافة وتحضر الأفعال فيها بوصفها أدوات بناء درامي تنقل القارئ بين فضاءين وزمنين. وتكشف القراءة الأسلوبية أن الشاعر جعل من الفعل الحركي اليومي محوراً تدور حوله ثيمات الاغتراب والذاكرة والاتصال المبتور، معتمداً على حركة التفاصيل الحية التي تمنح النص إيقاعه الداخلي.
وتتسع الدلالات الإنسانية لهذه البنية حين نضعها في سياق مقارن مع تجارب أدبية عالمية تناولت أسئلة الذاكرة والمنفى والطفولة والعودة، وحوّلت التفاصيل اليومية إلى صور أدبية ذات امتداد إنساني.
أولاً:
بنية الأفعال الحركية وبناء الإيقاع الداخلي
يتوزع الإيقاع الداخلي للقصيدة عبر شبكة من الأفعال الحركية التي تتدرج من الفضاء الواقعي الحميم المتمثل في البيت القديم إلى الفضاء الافتراضي البارد، المتمثل في المدينة والشاشة.
1- حركة الجذور: أفعال البناء الدائم
يبدأ النص بحركة امرأة في قرية بعيدة:
«تنهض امرأة… تغربل الطحين… تنادي ابنتها»
الأفعال هنا: تنهض، تغربل، تنادي: أفعال حركية متتابعة تدل على ديمومة الحياة واستمرار العادات اليومية. يحمل فعل الغربلة حركة يدوية إيقاعية تستدعي العمل المنزلي المتوارث فيما يمد فعل النداء خيط اللغة والذاكرة عبر الأجيال.
الحركة في هذا المشهد دافئة ومتزنة، محملة برائحة العجين والحطب، وتؤسس لإيقاع يومي يواصل سيره رغم الحزن التاريخي. وتظهر الهوية هنا من خلال ممارسة مألوفة تتكرر في البيوت، وتحفظ صلة الإنسان بمكانه ولغته وأهله.
2- حركة الاغتراب: أفعال التكنولوجيا الافتراضية
ينتقل الإيقاع في المقطع الثاني إلى حركة من نوع آخر، حركة إصبع معزول على زجاج بارد:
«يفتح شاب هاتفه… يقرأ خبراً… يكبر صورة الطريق»
تتحول الحركة من الفضاء الرحب للقرية إلى فضاء الشاشة المحدود. الأفعال: يفتح، يقرأ، يكبر، تجسد محاولة الوصول إلى المكان عبر الصورة الرقمية. فالشاب الذي يكبر صورة الطريق يبحث عن تفصيل يعرفه عن منعطف مألوف يستطيع أن يطمئن من خلاله إلى استمرار صلته بقريته.
الحركة هنا سريعة وقلقة، وتبقى معلقة عند حدود الشاشة. ويزداد أثرها حين يستعيد النص شاحنة الطفولة المصنوعة من الأسلاك ومصروف الجيب المخبوء في بطانة السترة واختلاف نطق اسم العائلة بين المدارس. تتراكم هذه التفاصيل لتصنع سيرة اغتراب تتجاوز المسافة الجغرافية إلى اختلاف التجربة واللغة والذاكرة.
3- حركة الانتظار العاطفي والتلاشي
في المساء تتباطأ الحركة وتتحول إلى إيماءات عائلية متكررة:
«تجتمع العائلة… تسأل الأم… ينقطع الصوت… تضع الأم الخبز… تترك حصة»
تتحرك الأفعال في هذا الفضاء لتصوير تجربة الغياب. ينقطع الصوت في لحظة اتصال، وتظل الأم تمارس طقسها اليومي: تضع الخبز في قطعة قماش وتترك حصة إضافية لمن قد يعود متأخراً.
يؤدي فعل الانقطاع وظيفة إيقاعية ودلالية إذ يكسر انسيابية التواصل بين أفراد العائلة. وفي المقابل تستمر حركة الأم في إعداد الخبز وترك الحصة فتحتفظ للغائب بمكان داخل الحياة اليومية.
تبلغ القصيدة ذروتها حين تختصر كوردستان في المسافة بين يدين: يد تعجن في البيت القديم ويد تفتح كيس الخبز في مدينة بعيدة. بهذا التكوين البصري تتحول المسافة إلى صورة ملموسة، وتغدو اليدان علامتين على عالمين يربطهما أصل واحد.
ثانياً: الأفق العالمي ومقارنة الفضاءات الشعرية
تكتسب البنية الحركية والرمزية في نص زكريا شيخ أحمد أفقاً إنسانياً واسعاً عبر تقاطعاتها مع تجارب شعراء وكتّاب عالميين تناولوا الذاكرة والمنفى والطفولة والحنين إلى المكان الأول.
1- الخبز كبوصلة وجودية: زكريا شيخ أحمد ومحمود درويش
يلتقي الشاعر الكردي مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في جعل التفاصيل اليومية المرتبطة بالأم مدخلاً لاستعادة الوطن والطفولة. تظهر حركة الأم عند زكريا في إعداد الخبز ووضعه داخل قطعة قماش وفي ترك حصة إضافية لمن قد يعود متأخراً.
وتحضر هذه الدلالة بوضوح في قصيدة محمود درويش «إلى أمي»:
أحنّ إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وتكبر فيّ الطفولة
يوماً على صدر يوم
تتأسس الصورة في النصين على أشياء حسية صغيرة تحمل ذاكرة المكان الأول. فالخبز عند درويش يستدعي الأم والطفولة والحنين وعند زكريا يصبح جزءاً من طقس منزلي يحفظ حضور الغائب داخل العائلة.
الحركة في التجربتين ترتبط بالعودة إلى الذاكرة عبر الحواس: رائحة الخبز، وملمس العجين ودفء اليد. ويغدو الطعام علامة على الصلة التي يحتفظ بها الإنسان بمكانه حتى حين تفصله عنه المسافات.
الإحالة: محمود درويش، «إلى أمي»، ويمكن مراجعة نص القصيدة في الموسوعة الشعرية التابعة لدائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي كما نشرته الجزيرة في مادة عن حضور الأم في الأدب والشعر.
2- جدية العيش في مواجهة المأساة: زكريا شيخ أحمد وناظم حكمت
يصوغ زكريا شيخ أحمد تلازم الحزن مع العمل اليومي في عبارة مكثفة:
«والنهار كعادته يأتي بأعمال لا تنتظر اكتمال الحزن»
تحمل العبارة رؤية للحياة اليومية التي تواصل حركتها وسط الظروف الصعبة. فالنهار يأتي بأعماله والمرأة تواصل إعداد الخبز، والأسرة تتابع تفاصيل يومها فيما يبقى الحزن حاضراً في خلفية المشهد.
تتقاطع هذه الرؤية مع فلسفة الحياة عند الشاعر التركي ناظم حكمت في قصيدته «عن العيش» (On Living)، حيث يربط الشاعر بين الجدية في العيش والاستمرار في العمل من أجل المستقبل. وتظهر في القصيدة صورة الرجل الذي يزرع أشجار الزيتون حتى في سن السبعين، تعبيراً عن إيمانه بالحياة وقدرتها على تجاوز عمر الفرد.
إن غرس الزيتون في هذه الصورة فعل يتجاوز لحظة الحاضر ويحمل تصوراً للمستقبل وللأجيال القادمة. وعلى نحو قريب يجعل زكريا من الأعمال اليومية ومن إعداد الخبز ومواصلة النهار، تعبيراً عن قدرة الإنسان على متابعة حياته وسط الحزن التاريخي.
الأعمال اليومية عند الشاعرين تحمل قيمة تتجاوز ضرورتها العملية: إنها طريقة في التمسك بالحياة، وصيانة الذاكرة، وإبقاء المستقبل مفتوحاً.
الإحالة: Nâzım Hikmet, “On Living,” ترجمة Randy Blasing وMutlu Konuk، ضمن كتاب *Poems of Nazim Hikmet*، منشورات Persea Books، 1994. وقد نشرت القصيدة جمعية الشعراء الأمريكيين ومؤسسة Poetry Society of America بالنص الإنجليزي والترجمة المذكورة.
3- سياج الطفولة القاسي:
زكريا شيخ أحمد وتشيسلاف ميلوش
يتحرك النص الكردي بين بساطة الطفولة وقسوة الظروف المحيطة بها عبر استعادة ألعاب الطفولة الفقيرة:
«هناك كانت شاحنته المصنوعة من أسلاك التيل واقفة أمام الباب…»
وتتوج هذه الذاكرة العبارة الكردية التي يوردها النص:
«Zaroktiya me ji têlan bû lê dilê me zêr
bû.»
«طفولتنا كانت من الأسلاك، لكن قلبنا كان من
ذهب.»
تقوم الصورة على مفارقة بين مادة اللعبة الخشنة وقيمة التجربة الإنسانية التي احتفظ بها الطفل. فالأسلاك تشير إلى محدودية الإمكانات وقسوة البيئة، فيما يستدعي الذهب غنى الذاكرة ودفء الطفولة.
هامش لغوي: صوت الأم الأصلي
إبقاء الشاعر للجملة
“Zaroktiya me ji têlan bû lê dilê me zêr bû”
بالكوردية وسط نص عربي قرار أسلوبي مقصود. حين تعجز الترجمة العربية عن حمل دفء التجربة يترك الشاعر اللغة الأم تتدخل بصوتها الخام كأن الطفل القديم في داخله هو من نطقها والشاعر الكبير هو من يدونها الآن. الكوردية هنا أثر صوتي للبيت الأول وشهادة بأن بعض الذكريات تُستعاد كما قيلت أول مرة بذات النبرة والصوت.
يمكن قراءة هذه الصورة في ضوء بعض موضوعات تجربة الشاعر البولندي تشيسلاف ميلوش، ولا سيما ارتباط الذاكرة بالمكان الأول وتجربة المنفى والعودة. فقد شكلت مغادرته بولندا وابتعاده عن موطنه أحد المحاور المهمة في تجربته الأدبية وحضرت ذاكرة المكان والطفولة في كتاباته بوصفها جزءاً من علاقة الإنسان بماضيه.
تلتقي التجربتان عند استعادة المكان من خلال تفاصيل صغيرة تحتفظ بها الذاكرة. ففي نص زكريا تتحول الشاحنة المصنوعة من الأسلاك إلى أثر من طفولة بعيدة، وفي تجربة ميلوش تظهر الذاكرة بوصفها طريقاً لاستعادة المكان الذي تركه المنفى خلفه.
وتكتسب المقارنة قيمتها من هذا التقاطع الموضوعي، مع بقاء الصورة الخاصة بالأسلاك والذهب جزءاً أصيلاً من عالم زكريا الشعري.
الإحالة: يمكن الرجوع إلى الدراسة النقدية «Czesław Miłosz: The Ambivalent Landscape of Return»، التي تتناول علاقة تجربة ميلوش بالعودة والذاكرة والمنفى. وتُستخدم هنا مرجعاً للمقارنة الموضوعية، من دون نسبة عبارة شعرية محددة إليه.
4- اغتراب المسافة والزمنين: زكريا شيخ أحمد وميلان كونديرا
يختتم الشاعر نصه بتعريف مكثف لكوردستان عبر قياس المسافة الحركية بين يدين:
«مسافة بين يدين: يد تعجن في البيت القديم ويد تفتح كيس الخبز في مدينة»
هذا الانشطار بين زمن العجن في البيت القديم وزمن الحياة في المدينة الحديثة يعبر عن تجربة الإنسان الذي يعيش بين مكانين: مكان يستقر في ذاكرته ومكان يمارس فيه تفاصيل حياته اليومية.
تتقاطع هذه الرؤية مع أسئلة المنفى
و الذاكرة والعودة التي تناولها الروائي التشيكي ميلان كونديرا في روايته «الجهل» (Ignorance). تتناول الرواية تجربة شخصيتين تعودان إلى بلدهما بعد سنوات طويلة من الغياب وتكشف ما أحدثه الزمن في علاقتهما بالمكان والذاكرة والأشخاص الذين تركاهم وراءهما.
وتشير الرواية إلى الفجوة التي قد تنشأ بين ذاكرة المنفي وصورة وطنه بعد العودة: فالمكان الذي ظل حاضراً في الوجدان يتغير مع مرور السنوات، كما تتغير نظرة الإنسان إليه بفعل التجربة والمنفى
ومن هذا المنظور تكتسب المكالمة العائلية المتقطعة في نص زكريا دلالتها؛ فهي تصل بين شخصين وتكشف في الوقت نفسه المسافة التي تفصل عالميهما. الأم تسأل عن العمل، والابن يسأل عن شجرة التين ثم ينقطع الصوت عند كلمة لم تكتمل.
إن اليد التي تفتح كيس الخبز في المدينة تجسد حياة المنفى بتفاصيلها اليومية، فيما تظل اليد التي تعجن في البيت القديم حاضرة في الذاكرة. وبين اليدين تمتد مسافة تحمل تاريخاً عائلياً وثقافياً كاملاً.
الإحالة: Milan Kundera, Ignorance, translated by Linda Asher, Faber and Faber, 2002. وتتناول دراسة Catherine Macmillan، المنشورة في مجلة Litera عام 2021 تجربة العودة والمنفى في الرواية من منظور الاغتراب وغرابة العودة إلى الوطن.
خاتمة
تتأسس قصيدة «كوردستان في ساعة الخبز» على بنية حركية بصرية تتدرج من حركة المرأة في البيت القديم إلى حركة الشاب أمام شاشة الهاتف، ثم إلى إيماءات الأم في انتظار ابنها. ومن خلال هذه الحركات اليومية ينسج زكريا شيخ أحمد موضوعات الاغتراب والذاكرة والهوية والانتظار.
إن المرأة التي تغربل الطحين والشاب الذي يكبر صورة الطريق والأم التي تترك حصة إضافية من الخبز، يشكلون معاً حركة الذاكرة وهي تبحث عن طريقة للبقاء.
وتمنح التفاصيل الصغيرة النص قوته التعبيرية؛ فالشاحنة المصنوعة من الأسلاك، وبطانة السترة، وشجرة التين، وقطعة القماش التي يلف بها الخبز، تتحول إلى علامات على عالم كامل من العلاقات والذكريات.
وفي خاتمة النص، تختصر المسافة بين يدين تاريخاً من الفقد والانتظار: يد تعجن في البيت القديم ويد تفتح كيس الخبز في مدينة بعيدة. وبين اليدين تظل كوردستان حاضرة في أبسط تفاصيل الحياة وفي الأشياء التي تحتفظ بقدرتها على عبور الحدود: الذاكرة والخبز واليد التي ما زالت تعرف دفء البيت الأول.
المراجع والإحالات
أولاً: النصوص الأدبية
1. درويش، محمود. «إلى أمي». يمكن مراجعة نص القصيدة في الموسوعة الشعرية، دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، وفي مادة الجزيرة عن قصيدة «أحن إلى خبز أمي».
2. Hikmet, Nâzım. “On Living.” In Poems of Nazim Hikmet, translated by Randy Blasing and Mutlu Konuk. Persea Books, 1994.
3. Kundera, Milan. Ignorance. Translated by Linda Asher. Faber and Faber, 2002.
ثانياً: الدراسات والمصادر النقدية
1. Macmillan, Catherine. “The Uncanny and the ‘Great Return’ from Exile: Unheimlich (Un)homecomings in Milan Kundera’s Ignorance.” Litera: Journal of Language, Literature and Culture Studies, vol. 31, no. 1, 2021, pp. 121–136. DOI: 10.26650/LITERA2020-836898.
2. “Czesław Miłosz: The Ambivalent Landscape of Return.” دراسة نقدية تتناول تجربة ميلوش وعلاقة العودة بالمنفى والذاكرة.
3. Poetry Society of America. “First Loves, Remembered: Ana Portnoy Brimmer on Nazim Hikmet’s ‘On Living’.”
4. الموسوعة الشعرية، دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي. نص قصيدة «أحن إلى خبز أمي» لمحمود درويش.
روابط التحقق
* قصيدة درويش في الموسوعة الشعرية.
* قصيدة حكمت وترجمتها الإنجليزية في جمعية الشعراء الأمريكيين.
* رواية كونديرا وبيانات طبعتها في فهرس مكتبات جامعة ماساريك.
* دراسة العودة والمنفى في رواية كونديرا في مجلة Litera الأكاديمية.
* دراسة ميلوش والعودة في Czesław Miłosz: The Ambivalent Landscape of Return.