كتاب وشعراء

مريم الموجي: الذكاء الاصطناعي.. تسبّب في غباءٍ فنيّ، وقضى على الإبداع حتى تساوى الموهوب بغير الموهوب؟.. حاورتها: نداء الدروبي

حين يتصلَّب الحنين ويغدو النغم هويةً وتاريخاً، نكون بحاجةٍ ماسَّة لمن يعيد قراءة الذاكرة بصوت العارفين. إنه صوتٌ يحمل في نبضاته امتداداً لدوائر الإبداع في الموسيقى العربية؛ حيث تأخذنا الباحثة الموسيقية، حفيدة العبقري محمد الموجي، في رحلةٍ عبر دهاليز النغم، لتروي لنا سيرة الحكايات التي لم تُحكَ من قبل، وتفتح أبواب الذاكرة على ألحانٍ لم تبرح قلوبنا يوماً.
وبكل هذا الإرث الكبير الذي تسير على خطاه بحبٍّ، وبحثٍ، وشغف، تتحرَّك في اتجاهٍ معاكس نحو أصول الطرب وجماليات النغم الأصيل من خلال مشروعها البحثي والتوثيقي في برنامج (باختصار مع الموجي). هي لا تُقدِّم مجرد سردٍ لتاريخ جدِّها الكبير، بل تعيد إحياء ذاكرة أمةٍ كاملة عاشت -وماتزال تعيش- على صدى ألحانٍ صنعت وجدانها. نلتقي معها في رحلةٍ بين موجِ النغم والجمال، لتكون ضيفتنا وعنواناً لهذا الحنين الذي ننقله لكم من خلال اللقاء الآتي:

س١: ما أهم حلقة قدمتِها وأثارت أقلام الباحثين الموسيقيين؟
ج- أعتقد أن جميع الحلقات لفتت انتباههم؛ نظراً لوجود الكثير من المعلومات الغائبة عنهم بشأن الألحان وبشأن الموسيقار الموجي نفسه، بالإضافة إلى وجود ألحان تفاجأوا تماماً حينما علموا أنها من نتاجه الفني.

س٢: ما الدوافع الأساسية التي جعلتكِ تبدئين برنامج “باختصار مع الموجي”؟ وكيف تقيسين تفاعل الأجيال الشابة مع ألحان جدكِ؟
ج- أنا خريجة المعهد العالي للموسيقى العربية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وتخصصي هو آلتا العود والبيانو، كما درست الغناء العربي، والصولفيج، والتحليل الموسيقي الغربي والشرقي. في الأساس، بدأ شغفي بالموسيقى وتعلّقي بها من جدي، ثم عمي يحيى الموجي، ووالدي، وعمتي الدكتورة غنوة الموجي. لعلّي شعرت بأن لدي طاقة موسيقية استمددتها من أعمال جدي، وهو يستحق بلا شك أن يلامس قلوب الناس بشكل أكبر؛ فكثيراً ما أرى أشخاصاً يعبرون عن حبهم لأغنيات معينة أو يربطونها بذكرياتهم، دون أن يعلموا أنها من ألحانه! كان هذا الأمر يزعجني كثيراً؛ فكيف لمبدعٍ بذل مجهوداً عظيماً وصنع فناً أثَّر في وجدان الجميع ألا يُعرف تفرُّده وتفاصيل كواليس أعماله؟ كل هذه الأسباب دفعتني لتأسيس هذا البرنامج.

س٣: ما أصعب التحديات التي واجهتكِ أثناء جمع وتوثيق الأرشيف الفني للموسيقار محمد الموجي؟
ج- وفاة والدي كانت التحدي الأصعب والمحطة الأقسى خلال فترة تحضير الحلقات؛ فقد استقيت معظم معلوماتي منه، وكنت في أمسّ الحاجة لوجوده معي أثناء التحضير لاستشارته ومعرفة رأيه وردة فعله. لكن الله سبحانه وتعالى عوّضني بعمتي الدكتورة غنوة الموجي، التي كانت -ومازالت- الداعم الأول والرئيسي لي، وأكثر شخصية وقفت بجانبي وساعدتني، سواء كمرجعٍ فني وتاريخي، أو كسندٍ عائلي.

س٤: هل هناك ألحان أو تسجيلات نادرة لم تخرج للنور بعد؟
ج- بكل تأكيد، لدينا تسجيلات نادرة جداً كان والدي يحتفظ بها. وبما أنني أقيم خارج مصر حالياً، فإنني أواجه بعض الصعوبة في البحث عنها والتنقيب في مكتبة جدي ووالدي في الوقت الحالي.

س٥: هل تعتمدين في برنامجكِ على مذكرات مكتوبة أو تسجيلات صوتية خاصة تركها الموسيقار لعائلته؟
ج- لا، فمعظم معلوماتي مستمدة من والدي -رحمه الله-، ومن بعده عمتي غنوة وعمَّيَّ أمين ويحيى، أطال الله في أعمارهم. كما أن هناك باحثاً في تاريخ جدي ومن أشد عشاقه يدعى علي جبار؛ يساعدني كثيراً لأنه استقى كافة معلوماته وكل ما يخص جدي من والدي، إلى جانب أبحاثه الخاصة التي يجريها بنفسه، وحقيقةً نحن نعتبره فرداً من العائلة.

س٦: ماذا عن عبقرية محمد الموجي الفنية وعلاقاته بالنجوم؟
ج- إن عبقرية محمد الموجي نادرة جداً؛ فقد كان يعتمد على فطرته بنسبة 100%، مما جعله يتخطَّى حدود العلم بإبداعه. هذا الأمر جعلنا -كموسيقيين- نعجز عن تحليل بعض أعماله الخاصة لأنه لم يكن يضع لها حسابات علمية مسبقة، بل قادته فطرته وعبقريته الفريدة لتجاوز تلك الحواجز. أما عن علاقته بالفنانين، فقد كانت حسنة للغاية؛ لأنه كان إنساناً طيباً، شرقياً، وفلاحاً أصيلاً يحمل قلباً ناصع البياض. وكان يفتح بيته دائماً لكل الفنانين رفقة جدتي (أم أمين)، ليتحوَّل منزلهما إلى بيت عائلة يجمع الوسط الفني بأكمله.

س٧: عُرف عن محمد الموجي دقة اختيار المقامات الموسيقية؛ من خلال تحليلكِ لأعماله، ما اللحن الذي ترينه الأكثر تعقيداً وعبقرية؟
ج- في الواقع، كان دقيقاً في اختيار الجمل الموسيقية وليس المقامات؛ لأنه لم يدرس الموسيقى أكاديمياً، بل كان يختار الجمل بمقاماتها بإحساسه وفطرته النقية، وهذا هو الإعجاز الفني الأكبر. ومن أصعب ألحانه موسيقياً قصيدة “حبيبها”؛ لأنها تتضمن جزءاً لم يُدون كـ “نوتة” موسيقية حتى الآن، ويقف جميع الموسيقيين عاجزين عن تحليله علمياً.

س٨: كيف كان الموجي يتعامل مع منع الرقابة لبعض الأغاني في ذلك الوقت، كما ذكرتِ في إحدى حلقاتكِ؟
ج- حدث ذلك معه في أغنية “فنجان شاي مع سيجارتين”، وبالتأكيد كان يشعر بالحزن؛ لأن كل لحن بالنسبة إليه بمنزلة ابن من أبنائه يدافع عنه. وبعد فترة، اقتنعت الرقابة بالفعل بجمال الأغنية وتراجعت عن قرار المنع الذي تبيَّن أنه كان خاطئاً. وتكرر الأمر مع فيلم “أنا وقلبي” بسبب جرأة قصته، ولكن أُلغي قرار المنع لاحقاً أيضاً.

س٩: ما الجانب الإنساني والشخصي للموسيقار محمد الموجي؟
ج- كان شديد الكرم ويفتح منزله للجميع؛ لدرجة أنه في جنازته ومجلس عزائه حضر أشخاص لا نعرفهم، بكوا بحرقة عليه قائلين: “بيوتنا خُرِّبت من بعده”، وظلوا يدعون له طوال حياتهم. أما عن تعامله مع عبد الحليم حافظ تحديداً، فقد كان يحمل معزة خاصة؛ إذ لم يكن يتقاضى منه أجراً (نقوداً) على ألحانه لأنه كان يعامله كأخ أصغر أو كأحد أبنائه. كما كان يُكِنُّ تقديراً واحتراماً فائقاً لكلِّ من سبقوه في مجال التلحين؛ ومثال ذلك عندما كتبت له الفنانة مديحة يسري شيكاً على بياض ليلحن أعمال فيلم “صغيرة على الحب” الذي تولَّت إنتاجه، فما كان منه إلا أن كتب لها إهداءً على الشيك ورفض تقاضي المال، لمجرد أنها كانت زوجة أستاذه محمد فوزي في يوم من الأيام، رغم أنها كانت منفصلة عنه في ذلك الوقت.

س١٠: كيف كانت شخصية محمد الموجي داخل المنزل بعيداً عن أضواء الشهرة والتلحين؟
ج- كان حازماً وطيباً جداً في آن واحد، ورجلاً شرقيّاً من الطراز الأول؛ فالذي يدخل منزلنا أو يتعرَّف إلينا لا يشعر أبداً بأنه بيت فنانين، بل يلمس دائماً روح العائلة الطيبة، البسيطة، والمتحفِّظة جداً. وإلى جانب هذا كله، كان جدِّي إنساناً رائعاً وحنوناً، يُدلِّل أحفاده جميعاً، ويهتم بتفاصيل حياتنا أكثر مما كان يهتم بأبنائه وهم صغار، لدرجة متابعته الدقيقة لدراستنا ودرجاتنا العلمية رغم كثرة انشغالاته.

س١١: اشتُهر جدكِ بمحبته العميقة للموسيقى لدرجة تسمية بناته بأسماء فنية (ألحان، أنغام، غنوة)؛ كيف أثرت هذه الأجواء الفنية الخالصة على نشأة والدكِ “الموجي الصغير” وعليكم كأحفاد؟
ج- أصبحنا جميعاً نتنفَّس الموسيقى، وانكبَّ معظمنا على دراستها بشغف، وحتى من لم يدرسها أكاديمياً أحبها بعمق. الموسيقى هي الرابط الدائم والجامع لنا في كل مناسبة؛ فعندما نلتقي، نعزف ونغنِّي معاً لنُشكِّل فرقة موسيقية خاصة بنا في أي تجمع عائلي، ودائماً ما ترافقنا سيرة جدي العطرة.
وقد ظهر أثره الفني بوضوح للجمهور من خلال عمي يحيى الموجي والتاريخ العظيم الذي قدَّمه، وكذلك والدي “الموجي الصغير”، وعمتي الدكتورة غنوة الموجي التي خصصت رسالة الماجستير لدراسة أسلوب محمد الموجي في التلحين، كما تناولت ألحانه في المسرح الغنائي ضمن أطروحتها للدكتوراه.
أما على مستوى الأحفاد، فأخي محمد يغنِّي، ويلحِّن، ويوزع الموسيقى، ويعزف على البيانو والكمان، وأحمد (ابن عمتي غنوة) يعمل في التوزيع والتأليف الموسيقي، ويحيى (ابن عمتي الأخرى) يعزف الكمان ويوزِّع الموسيقى. وبالنسبة لي، فأنا أعزف على العود والبيانو وأغنِّي، لكنني لا أُفضِّل احتراف الغناء، بل أحببت التعمق أكثر في التحليل الموسيقي، لاسيما تحليل أعمال جدي وإرثه.

س١٢: ما الوصية الفنية أو الإنسانية الأبرز التي تركها محمد الموجي لأبنائه وأحفاده للحفاظ على اسمه وإرثه؟
ج- كانت آخر وصاياه هي رغبته في إعادة صياغة أعماله الموسيقية بشكل سيمفوني لتقدم إلى الجمهور. وقد تحقق ذلك بشكل مبسَّط في حفل “روائع الموجي” بقيادة عمي يحيى الموجي، وبمشاركة الفنان العالمي رمزي يسى على البيانو برفقة الفرقة الموسيقية. لكننا نتمنى ونطمح إلى تحويل كافة أعماله وتراثه إلى صيغ سيمفونية كاملة كما كان يرجو ويحلم.

س١٣: هل هناك خطة لتحويل هذا التوثيق الرقمي إلى كتاب، أو فيلم وثائقي رسمي، أو متحف يضم مقتنياته ونوته الموسيقية؟
ج- هناك كتاب سيصدر قريباً إن شاء الله، ونأمل بالتأكيد أن يتحوَّل هذا التوثيق إلى فيلم أو مسلسل درامي. نتمنى من الدولة ومن شركات الإنتاج الكبرى الاهتمام بسيرته وتقديمها في عمل فني ضخم يليق بمسيرته الحافلة. أما بشأن المتحف، فقد حاولنا كثيراً لكن الأمر ليس سهلاً، ونتطلع إلى أن تتبنَّى الدولة ووزارة الثقافة هذا المشروع وتنفيذه بشكل يليق باسمه ومكانته.

س١٤: كيف ترين مستقبل الأغنية العربية اليوم في ظل الذكاء الاصطناعي، وماذا كان ليرى محمد الموجي في استخدام التكنولوجيا الحديثة لإعادة إحياء ألحانه وصوته؟
ج-: في رأيي، تسبَّب الذكاء الاصطناعي في نوع من “الغباء الفني” وقضى على الإبداع الحقيقي، إذ ألغى الفوارق بين الموهوب وغير الموهوب؛ فالموهوب الحقيقي لا يحتاج إلى أدوات مساعدة لتوثيق تميُّزه. بالتأكيد لو كان جدِّي حيَّاً لحزن كثيراً بسبب هذه التكنولوجيا التي ساوت بين الجميع وأفسدت الفطرة الفنية والنقاوة الإبداعية.

س١٥: ماذا تحدَّث الموجي عن صوت أم كلثوم وتقدُّمها في العمر أثناء بروفات “اسأل روحك”؟
ج-: كان يقول: “أم كلثوم كلثمتني في ألحانها، وأنا موجتها في لحن اسأل روحك”. فقد صاغ هذا اللحن بطبقة صوتية عالية جداً، وهي الطبقة التي كانت تغنِّي بها في شبابهما. وعندما استمع الموسيقار محمد عبد الوهاب إلى اللحن في البروفات، قال له مستغرباً: “هل هناك من يلحِّن لأم كلثوم في هذه السن وكأنها شابَّة؟ خفّض الطبقة الموسيقية”.
وعندما استجاب جدِّي لنصيحته وغيَّر الطبقة، اتصل به عبد الوهاب بعد الحفلة مباشرة وقال له بامتنان: “ها.. غنينا كويس؟”، ففرح جدِّي كثيراً بكلمة “غنينا كويس”، لأنه شعر بمدى اهتمام عبد الوهاب وخوفه على اللحن وحرصه عليه كأنَّه لحنه الشخصي.

حوار: نداء الدروبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى