
كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْكِ
بَيْنَ ذَرَّاتِ تُرَابِ الرَّافِدَيْنِ…
أَغْمِسُ يَدِي فِي الْأَرْضِ
فَتَعُودُ إِلَيَّ بِرَائِحَةٍ
كَأَنَّ الزَّمَنَ تَرَكَ قَمِيصَهُ هُنَا
ثُمَّ مَضَى…
لَا أَعْرِفُ اسْمَهَا لَكِنَّنِي أَشُكُّ
أَنَّهَا كَانَتْ هُنَا قَبْلِي
وَأَنَّ يَدِي لَمَسَتْ يَدًا
لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا دِفْءُ التُّرَابِ
كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْ أُورَ
سَمِعْتُ الطِّينَ يُقَلِّبُ فِي عَتْمَتِهِ
خُطَى أَهْلِي…
لَا فِي الطُّرُقَاتِ
فَالطَّرِيقُ أَوَّلُ مَا يَنْسَاهُ الْمَكَانُ
بَلْ فِي الْأَشْيَاءِ…
الَّتِي أَفْلَتَتْ مِنْ أَصَابِعِ أَصْحَابِهَا…
كِسْرُ إِنَاءٍ مَا زَالَ فَمُهُ عَطْشَانَ…
خَتْمٌ أُسْطُوَانِيٌّ يَدُورُ حَوْلَ غِيَابٍ
لَا بَابَ لَهُ…
مِشْطٌ ذَهَبِيٌّ مَرَّ ذَاتَ صَبَاحٍ
بَيْنَ خُصَلَاتِ امْرَأَةٍ
ثُمَّ نَامَ أَلْفَ عَامٍ…
وَحَبَّةُ لَازَوَرْدٍ تَحْتَفِظُ بِزُرْقَةٍ
لَمْ تَسْتَطِعِ السَّمَاءُ أَنْ تَسْتَرِدَّهَا
يَا شُبْعَادُ…
مَاذَا تَفْعَلُ امْرَأَةٌ
حِينَ تَصْبِحُ ذَاكِرَتُهَا
أَثْقَلَ مِنْ جَسَدِهَا
أَيْنَ تَضَعُ الذَّهَبَ حِينَ تَصِيرُ الْيَدُ
أَخَفَّ مِنَ الْغِيَابِ
لَا أُرِيدُ أَنْ أَرَاكِ كَمَا رَتَّبَكِ الْمُتْحَفُ
امْرَأَةً خَلْفَ الزُّجَاجِ مُحَاطَةً بِضَوْءٍ
لَا يَعْرِفُ حَرَارَةَ الْجَسَدِ
وَبِجِوَارِكِ اسْمٌ صَغِيرٌ
يُحَاوِلُ أَنْ يَضَعَ عُمْرًا فِي سَطْرٍ…
أُرِيدُكِ خَارِجَ الزُّجَاجِ
أُرِيدُ يَدَكِ
حِينَ كَانَتْ تَرْفَعُ الْمِشْطَ إِلَى شَعْرِكِ
حِينَ كَانَتْ خُصْلَةٌ تُقَاوِمُهُ قَلِيلًا
كَأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّهَا سَتَصِيرُ أَثَرًا
أُرِيدُ اللازَوَرْدَ
وَهُوَ سَمَاءٌ صَغِيرَةٌ عُلِّقَتْ فِي عُنُقِكِ
لَا حَجَرًا اسْتَعَارَ اسْمَ السَّمَاءِ
وَأُرِيدُ أُورَ
وَأُرِيدُ أُورَ حِينَ كَانَ الطِّينُ
يَصْعَدُ إِلَى الْأَقْدَامِ
كَأَنَّهُ يَتَشَبَّثُ بِمَنْ يَمْشِي
وَحِينَ كَانَتِ الْأَيْدِي تَخْرُجُ مِنَ الْمَاءِ
وَفِي شُقُوقِهَا رَائِحَةُ الْقَصَبِ
امْرَأَةٌ تُزِيحُ سِتَارَةً فَيَتَسَرَّبُ النَّهَارُ
إلَى غُرْفَةٍ ضَيِّقَةٍ
وَتَرٌ بَعِيدٌ يَجُسُّ نَبْضَ الْمَسَاءِ
وَقِدْرٌ يَغْلِي قُرْبَ بَابٍ
تَرَكَهُ أَحَدُهُمْ نِصْفَ مَفْتُوحٍ
لَمْ تَكُنِ الْمَدِينَةُ تَعْرِفُ
أَنَّ التُّرَابَ
كَانَ يَكْتُبُ تَحْتَهَا
نُسْخَةً أُخْرَى مِنْهَا
وَلَا أَن كُلَّ مَا يَمُرُّ
يَتْرُكُ ظِلَّهُ…
فِي مَكَانٍ لَا تَرَاهُ الْعَيْنُ
هُنَاكَ…
بَيْنَ يَدٍ تَصْنَعُ إِنَاءً
وَيَدٍ تَتْرُكُ عَلَى الطِّينِ
عَلَامَةً تُشْبِهُ الْبَقَاءَ…
كَأَنَّ النَّهَارَ يَمُرُّ خَفِيفًا
دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ اللَّيْلَ
سَيَجْمَعُهُ ذَاتَ يَوْمٍ
قِطْعَةً قِطْعَةً
ثُمَّ مَرَّ الزَّمَنُ…
مَرَّ فَوْقَ الْمَعْبَدِ كَرِيحٍ لَا تَلْتَفِتُ
وَمَرَّ فَوْقَ الْبُيُوتِ حَتَّى صَارَ سَقْفُهَا
سَمَاءً ثَانِيَةً
وَمَرَّ فَوْقَ الْأَسْمَاءِ
فَبَقِيَتْ حُرُوفًا قَلِيلَةً
تُقَاوِمُ الْغُبَارَ….
حَتَّى الضَّوْءُ دُفِنَ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ…
وَصَارَتِ الشَّمْسُ
شَيْئًا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ مِنْ أَثَرِهَا
لَكِنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَتَعَلَّمِ النِّسْيَانَ…
كُلَّمَا حَفَرْنَا فِيهَا أَخْرَجَتْ لَنَا أَثَرًا
لَا نَعْرِفُ كَيْفَ نُسَمِّيهِ
وَقَالَتِ انْظُرُوا…
هَذَا مَا تَرَكْتُمُوهُ حِينَ كُنْتُمْ أَحْيَاءً
مَنِ الَّذِي مَاتَ حَقًّا
الَّذِي غَابَ تَحْتَ التُّرَابِ
أَمِ الَّذِي بَقِيَ يَمْشِي فَوْقَهُ
وَلَا يَشْعُرُ بِمَا يَنَامُ تَحْتَهُ
يَا شُبْعَادُ…
لَمْ تَعُودِي مِنْ أُورَ
لَكِنَّ أُورَ لَمْ تَخْرُجْ مِنْكِ
بَقِيَ شَيْءٌ مِنْكِ
فِي الذَّهَبِ وَفِي اللَّازَوَرْدِ
وَفِي الصَّمْتِ الَّذِي يَكْبُرُ حَوْلَ الْأَشْيَاءِ
كُلَّمَا فَقَدَتْ أَصْحَابَهَا
وَبَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ
لَا تَسْتَطِيعُ الْمَتَاحِفُ
أَنْ تَضَعَهُ خَلْفَ زُجَاجٍ
امْرَأَةٌ
تَعْبُرُ آلَافَ السِّنِينَ…
وَلَا يَكْبُرُ فِي وَجْهِهَا سِوَى الْغِيَابِ
وَحِينَ أَعُودُ إِلَى تُرَابِ الرَّافِدَيْنِ
لَا أَبْحَثُ عَنْ قَبْرِكِ
أَبْحَثُ عَنْ يَدِي
حِينَ تَلْمَسُ الْأَرْضَ هُنَاكَ…
حَيْثُ يَلْتَقِي التُّرَابُ بِالْجِلْدِ
تَعُودُ إِلَيَّ رَائِحَةٌ قَدِيمَةٌ…
كَأَنَّ الْأَرْضَ فَتَحَتْ لِلَحْظَةٍ ذَاكِرَتَهَا…
عِنْدَهَا أَعْرِفُ أَنَّ الْمَاضِيَ
لَيْسَ وَرَاءَنَا…
إِنَّهُ تَحْتَ أَقْدَامِنَا يَمُرُّ فِينَا…
دُونَ أَنْ نَرَاهُ…
لِهَذَا أُنَادِيكِ شُبْعَادُ
لَا لِكَيْ تَعُودِي فَالزَّمَنُ
لَا يَفْتَحُ أَبْوَابَهُ
لِمَنْ خَرَجُوا مِنْهُ…
أُنَادِيكِ لِأَضَعَ كَفِّي
عَلَى تُرَابِ أُورَ
وَأَسْمَعَ السُّؤَالَ
وَهُوَ يَصْعَدُ مِنْ تَحْتِهِ…
مَاذَا فَعَلْنَا بِكُلِّ مَا تَرَكْتِهِ لَنَا
وَهَلْ كُنَّا جَدِيرِينَ
بِأَنْ نَرِثَ هَذَا الطِّينَ…
شعر: مهدي عادل
العراق