كتاب وشعراء

مُختَلَفٌ عليه: “أيضًا” بين النحو والمعنى، بين القياس والاستعمال… بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليست اللغةُ جسداً ساكناً يُشرح بسكين القواعد وحدها، بل كائنٌ حيٌّ، يتنفس بالاستعمال، ويشيخ بالمصطلحات، ويتمرّد على القياس حين تضيق به القوالب. ومن أكثر الكلمات التي كشفت هذا الصراع بين المدرسيّ والحيّ، بين المعجميّ واليوميّ، كلمةٌ صغيرة الحجم، عظيمة الإشكال: «أيضًا».
كلمةٌ بدت بريئة في ظاهرها، لكنها أشعلت جدلًا طويلًا بين من جعلها مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف، ومن رآها حالًا دلاليًّا لا علاقة له بالفعل ولا بمصدره. وبين الفريقين، ضاعت «أيضًا» بين نحوٍ يطلب الأصل، ولسانٍ يطلب المعنى.
أوّلًا: «أيضًا» في الوعي الاستعمالي
حين يقول العربي اليوم:
جاء خالدٌ أيضًا.
كتبتُ المقالَ أيضًا.
سأسافرُ غدًا أيضًا.
فهو لا يستحضر فعلًا محذوفًا، ولا مصدرًا متوهمًا، بل يستحضر معنى واحدًا واضحًا:
المشاركة، الإضافة، التكرار الدلالي.
أي:
جاء خالد مثل غيره، وكتب كما كتب غيره، وسيسافر كما سافر غيره.
في هذا الوعي الحيّ، تؤدي «أيضًا» وظيفةً دلالية أقرب إلى الحال:
أيضًا = مشاركًا، مماثلًا، على النحو نفسه.
ولهذا كان الإعراب الأقرب إلى المعنى:
أيضًا: حالٌ منصوب، يدل على المشاركة أو الإضافة.
لا لأنها تشبه «حالًا» في الصورة، بل لأنها تؤدي وظيفته في المعنى.
ثانيًا: الجذر المعجمي والالتباس التاريخي
في المعاجم القديمة، نجد جذرًا مهجورًا:
آضَ – يَئيضُ – أيضًا
ومعناه: رجع، مال، عاد، انثنى.
قال ابن منظور:
“آضَ إلى أهله: رجع إليهم.”
وقال: “هو مصدر آضَ يَئيضُ أيضًا.”
هنا وقع الفخّ.
فرأى بعض النحاة أن:
«أيضًا» مصدر،
والمصدر مفعول مطلق،
إذن: «أيضًا» مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: آضَ.
فقالوا:
جاء خالدٌ أيضًا
أي: آضَ خالدٌ أيضًا
أي: عاد مجيئه مثل مجيء غيره.
لكن هذا التحليل – وإن كان معجميًّا ممكنًا – يصطدم بثلاث حقائق كبرى:
الفعل «آضَ» مهجور في الاستعمال.
معنى «أيضًا» المعاصر لا يدل على الرجوع ولا الميل.
المتكلم لا يقصد حدثًا جديدًا، بل وصفًا للحال.
فالنحو الذي لا يصغي للمعنى يتحوّل إلى جثة لغوية.
ثالثًا: بين المفعول المطلق والحال
المفعول المطلق في جوهره:
مصدر يدل على حدث.
مثل:
ضربتُ ضربًا، جلستُ جلوسًا.
أما «أيضًا» في الاستعمال الحي:
لا تدل على حدث، بل على علاقة بين حدثين.
هي لا تقول: ماذا وقع؟
بل تقول: كيف وقع بالنسبة لغيره؟
وهذا هو تعريف الحال.
فحين نقول:
نجح زيدٌ ونجح عمروٌ أيضًا.
لسنا نخبر عن “رجوع” أو “تحوّل”، بل نقول:
نجاح عمرو وقع على نحو ما وقع نجاح زيد.
أي:
نجح عمرو مشاركًا لزيد في الحكم.
ولهذا فالإعراب الأصدق للمعنى هو:
أيضًا: حالٌ منصوب.
أما جعلها مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف «آضَ»، فهو:
تعلّق بأصل مهجور،
وإحياء لقالب مات مع فعله،
وفرضٌ للمعجم على اللسان.
رابعًا: الكلمات الشبيهة بـ«أيضًا»
هناك كلماتٌ بالفعل تُعرب مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف، مثل:
سبحانَ الله، معاذَ الله، لبيكَ، سعديك، حنانيكَ، شكراً، حقًا…
لأنها:
مصادر واضحة،
تدل على حدث أو انفعال أو فعل قلبي.
لكن «أيضًا» لا تفعل ذلك، بل تؤدي وظيفة رابط دلالي بين الجمل والأحكام.
ولهذا فإن إدخالها قسرًا في قائمة:
(سبحان – معاذ – حقًا – أيضًا…)
هو جمعٌ بين ما يتشابه في الصورة لا في الجوهر.
الخلاصة: نحوٌ يصغي للمعنى
ليست المشكلة في أن نقول:
«أيضًا» مفعول مطلق.
ولا في أن نقول:
«أيضًا» حال.
المشكلة أن نُصرّ على إعرابٍ يُفسد المعنى من أجل إرضاء القاعدة.
فاللغة ليست متحف آثار، بل كائن حيّ.
والمعنى هو روح الإعراب، لا العكس.
لذلك يمكن القول بطمأنينة علمية:
من جهة المعجم القديم:
«أيضًا» يمكن أن تكون مصدر «آضَ».
من جهة الاستعمال الحيّ والمعنى:
«أيضًا» هي حالٌ دلالي يفيد المشاركة والإضافة.
ومن يختار الإعراب الثاني، لا يخالف العربية،
بل ينحاز إلى روحها،
إلى لسانها وهو يتكلم، لا وهو محنَّط في الكتب.
وهكذا تبقى «أيضًا» كلمةً صغيرة،
لكنها تكشف سؤالًا كبيرًا:
هل النحو خادمٌ للمعنى،
أم سيّدٌ عليه؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى