الجمعة , سبتمبر 18 2020

ياسر حجاج يكتب : رحم الله هيكل .. الشيخ المعجزة !

 

 إذا كنت ممن يبغضون الحقبة الناصرية الممتدة من أواسط الخمسينات إلى نهاية عقد الستينات ، فلا شك أن بغضك قد طال بشكل أو بآخر ، واحداً من أكابر منظريها ومفكريها ، إن لم يكن أكبرهم على الإطلاق ، ألا وهو الأستاذ / محمد حسنين هيكل ، الذي إلتصق بهذه الحقبة ، ولم يزل ، إلتصاق اللحم بالعظم . أما إذا كنت من المتشيعين للزعيم جمال عبد الناصر “رحمه الله” ، فسيكون من نافلة القول ، أو التزيد غير المبرر ، التأكيد بأنك محب للأستاذ ، بإعتبار أن ذلك من المسلمات والفرضيات البديهية ، والتي بها من الوضوح والجلاء ، ما يجعلها حقيقة قائمة بذاتها ، دونما حاجة إلى دليل أو إثبات ، شأنها في ذلك شأن أي قياس منطقي بسيط بمقدمات واضحة بينة ، وبالتالي فإنه لا مجال للحديث عن نتائج متناقضة . عرفت الأستاذ في سن مبكرة نوعاً ما ، من خلال الوالد “رحمه الله” ، الذي كان ومازال مبغضاً للحقبة الناصرية بمعظم رموزها وأطيافها ، وفي القلب منهم بالتأكيد الأستاذ / هيكل ، وذلك من واقع ما شاهده بعينيه ، ووقع عليه سمعه من المعارك والأحداث المريرة التي صاحبت هزيمة يونيه 1967 ، وذلك بمكان الميلاد ، والنشأة ، ومراتع الصبا (الإسماعيلية) ، والتي هُجرنا منها لمدة سبع سنوات تقريباً ، قبل العودة إليها من جديد في العام 1974 ، في ظل زعامة أخرى ، وحقبة جديدة . روى لي الوالد كيف كان شاهداً على سقوط إحدى طائرتنا الحربية في بحيرة مائية بإحدى ضواحي مدينتنا الساحلية الرائعة ، حيث بدا له ، ولرفاقه من الوهلة الأولى ، أن الطائرة التي سقطت كانت إحدى طائرات العدو الإسرائيلي ، حيث تمكن قائدها من فتح مظلته قبل أن تسقط الطائرة في هذا البحيرة ، فهُرع الجميع للإمساك به ، ظنا منهم أن جندي أو ضابط إسرائيلي ، حيث وجدوه مختبئاً في أنبوب مائي كبير ، وبإخراجه منه ، علت الدهشة وجه الجميع ، ونال العجب من نفوس المتحلقين حوله ، فالطيار كان ضابطاً مصرياً ، والطائرة التي هوت إلى قاع البحيرة كانت مصرية ، سقطت في معركة جوية كانت الغلبة فيها لسلاح الطيران الإسرائيلي آنذاك ، وفي محاولة لتهدئة روع الطيار ، إنخرط الجميع في بكاء من صدمة الواقعة التي لطخت الكبرياء الوطني إبان ذلك العهد . هذه إحدى مرويات الوالد الكثيرة عن هذه الحقبة ، والتي غالباً لا يأتي ذكرها على لسانه ، إلا مقرونة بالتعريج على (شيطان الحقبة) ، و(عراب النكسة أو الوكسة) الأستاذ / هيكل ، بكل ما تستطيع تخيله من عبارات القدح واللوم والتجريم ، والحقيقة أنني قد ظللت فترة متبنياً وجهة نظر الوالد ، بإعتباره مصدر أخباري ، ونبع معرفتي في هذه السن الصغيرة ، وبتدافع الأيام ، ومرور السنوات ، بدا لي وكأنني إتخذت موقفاً مغايراً لموقف والدي من الحقبة الناصرية ، عندما وجدت أخيراً مصادر أخرى للمعرفة والأخبار ، وإن كنت أوافقه كثيراً في طرحه عن هذه الحقبة التي هي مثار للجدل الدائم وحتى الآن . عودة إلي الأستاذ الآن … أنا من الحريصين على إقتناء كتب الأستاذ هيكل التي هي غالباً غالية ثمن ، أنيقة الطباعة ، حسنة الإخراج ، وأستطيع بشكل محايد أن أؤكد لك أنك بوسعك أن تتناول الأستاذ / هيكل من زاويتين ، زاوية أراءه السياسية ، وزاوية حرفيته الصحفية ، ذلك أنه بوسع الجميع الإختلاف حول أراءه وتوجهاته ، أو حتى بشأن الحقبة التي يمثلها ، ولكن لن يستطيع منصف – في ظني – أن ينال من مهارته الصحفية الرفيعة ، وثقافته السياسية الحادة ، وذاكرته الحديدية الجامعة لكل أشكال التناقضات والمتماثلات والمتشابهات ، طوال سبعين عاماً على الأقل من عمله الصحفي الثري ، ولا أنسى في هذا الإطار من أن نذكر بعضنا البعض بأن الأستاذ / هيكل كان مراسلاً عسكرياً إبان الحرب العالمية الثانية من القرن الماضي ، فنحن – بهذه المثابة – إنما نتحدث عن آلة زمن تمشي على قدمين ، رصدت أفول شمس الملكية المصرية ، وبزوغ فجر الجمهورية ، بنسخها السبعة حتى الآن . عاين الأستاذ / هيكل وشاهد ، ونظر ، وكتب ، وحاضر ، وأرخ ، عن الأزمات الدولية – ذائعة الصيت – كالثورة المصرية عام 1952 ، وأزمة السويس ، الحرب الكورية ، حرب فيتنام ، حرب الأيام الست ، الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي ، الثورة الإيرانية ، إنهيار الشيوعية ، القطب الأمريكي الأوحد ، كارثة يناير 2011 في مصر ، وثورة الـ 30 من يونيه 2013 ، فبصمته الصحفية القدرية مطبوعة على كل الأحداث تقريباً . وبحسبانه (شيخ طريقة) ، فله من المريدين والمحبين والمقلدين ، ما يجعله محط إهتمامهم ، فتجدهم وقد تحلقوا حوله ، إلتماساً لرأي أو بيان في شأن من الشئون ، وبقلمه الرصاص الذي لا يفارق يديه ، وبدلته الزرقاء القاتمة ، وشعره الأبيض الشاهد على عمق التجربة وأثر السنين ، تراه يروى ظمأ المتعطشين بقدر معلوم ، وبينما لم يبلع الرواء منهم مداه ، يعودون فيسألون ، فتتصدر كلماته مانشتات الصحف ، وتعقد الندوات للتحليل ، والمقالات للتوضيح ، وما بين قادح ومادح ، ومحب ومبغض ، يظل الرجل حالة صحفية معجزة علي أي مقياس من المقاييس ، فهذا رجل إن (عطس) ، أصابت الإنفلونزا كل الأوساط هنا وهناك . على المستوى الشخصي ، فإن أشد ما يلفت نظري في شخصية الأستاذ / هيكل هي قدرته على أن يظل محتفظاً بلقب (الحكاء الأكبر) ، دون أن ينازعه في ذلك أحد ، بل ودون أن ينال الملل من شخوص المستمعين والمتابعين له ، على إختلاف أمزجتهم الشخصية أو السياسية ، وهو في هذا الإطار صاحب مدرسة خاصة ، جرى ويجرى تقليدها من حين لآخر ، من خلال كتاب وإعلاميين وسياسيين كبار ، وكيف لك أن تمل ممن يصطحبك ويغوص معك ، أو بدونك ، أو حتى رغماً عنك ، إلى حيث السياسة ، والإقتصاد ، والتاريخ ، والجغرافيا ، وإن شئت الشعر ، وأنت جالساً أمامه متحيراً من تنقلاته المفاجئة ، وتنوع شخوصه وأبطاله ، ممن لا حصر لهم ، ولا عد .  إن لم تكن تصدقني ، فعليك التجريب بنفسك ، بينما يصف لك الأستاذ / هيكل الأجواء الودية التي أحاطت بإفطار صباحي باريسي ، رفقة الرئيس الفرنسي الراحل ، فرنسوا ميتران ، تراه ذهب بك – فجأة – إلى الشرق حيث التجربة الصينية ، والثورة الثقافية لماوتسي تونج ، وقبل أن تلتقط أنفاسك ، إما ستجد نفسك في لندن حيث يشير على الراحلة مارجريت تاتشر إلى النهج الذي عليها إتباعه عند خوضها تجربة كتابة مذكراتها ، وإما ستكون تتصبب عرقاً بكيب تاون إن كان قُدر للأستاذ أن يجري مقابلة صحفية مع زعيم قبائل الزولو بجنوب أفريقيا ، ولكنه في جميع الأحوال سيسمعك أبيات من الشعر العربي القديم ، أو عبارات من النثر المتوهج ، إذا إقتضي جو النقاش شئ من الترطيب ، فإن وجدك منصتاً جيداً من خلال قرون إستشعاره الفريدة ، زادك من الشعر بيتاً وأبيات ، ثم يصمت ليعاين بنفسه ، وقع الإعجاب على محياك . وبينما لم يزل الأستاذ / هيكل يعجن لك خليطاً متماسكاً ومختمراً ، ومطهواً على طريقته ، ويقدمه لك بأناقته الملفتة ، أرجوا أن لا تتفاجئ من أن الوجبة التي باتت بين يديك الآن ، من العسير تصنيفها تحت أي عنوان تقليدي ممل ، ذلك أنه يحرص على أن لا يُضبط متلبساً بالإجابة المباشرة عن أي سؤال ، وهو وإن قدم لك فاكهة الصيف في الشتاء ، أو نصحك بإرتداء ملابسك الشتوية ، في شهور الصيف القائظ ، فله على ذلك أدلة كثيرة ، وشهود دائمين ، بشرط أن يكونوا جميعاً قد فارقوا الحياة ، ليبقى هو وحده الراوية المفرد كما يقول بعض من مبغضيه . ختاماً .. لست من انصار الرجل ، ولا من الذين ينافحون عنه بحال ، ولكني وللإنصاف أراه نسيج وحده ، حيث أتابع كتاباته وأحاديثه التليفزيونية منذ زمن ، لأتعلم كيف تكون الثرثرة مفيدة أحياناً ، وكيف لمدرسة (المتاهة الصحفية) ، أن تظل قادرة على الصمود  ، لما يزيد عن تسعة عقود ، هي عمر الأستاذ الكبير  “رحمه الله” .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: