الأربعاء , نوفمبر 25 2020

د. نيفين عبد الجواد تكتب :روح الأمة

إن بعث الروح فى أمة من الأمم يكون ببعث الروح فى أجساد أبنائها لتعود إليهم الحياة من جديد. ولا يكون بعث الروح فى جسد ميت إلا لكي يتحرك بعدما سكن ورقد، فإذا لم ينتفض بعد طول رقدته لتسري في أوصاله قشعريرة الحياة فهذا يعني أنه لا أمل في أن تعود إليه الحياة من جديد.

ومثلما يحتاج الجسد أول ما يحتاج إلى الهواء والماء كي يمارس وظائفه الحيوية فيبقى على قيد الحياة، فإن صاحبه لا يمكنه أن يتمتع بأية حياة دون أن يحمي روحه من القتل. وقتل الروح يبدأ بتعطيل العقل عن التفكير وحجبه عن أداء مهمته فى البحث والتنقيب من أجل الفهم والإدراك والوعي والاستنتاج والتدبر. ولا يكون تمام قتل الروح إلا بإماتة الضمير وتخليه نهائيًا عن القيم والفضائل والأخلاق، وذلك بعدما تحجرت أوتار القلب السليم وتجمدت نبضاته فأصبح لا يقوى على استقبال كل ما يُمْكنه أن يرقى بالوجدان ويسمو بالمشاعر وتكون معه كل دقة من دقاته ذات معنى دافئ تستكين له النفس وتنتشي معه الأسارير.

وإذا كان العلم النافع هو الذى يصبو إليه كل عقل مفكر، فإن الحب الخالص هو الذى ينشده كل قلب ينبض. وما من علم ينفع صاحبه إذا كان لا يريد من البداية أن يتعلمه، أو إذا كان يتلقاه بطريقة لا يجد فيها أيه متعة أو لذة، أو إذا كان لا يُرضِي شغفه المعرفي ولا يجيب على الأسئلة التى تغزو كيانه بلا هوادة. فماذا إذا كان هذا العلم يوقف عقله عن التفكير من فرط ما يصحبه من تلقين وإملاء وحفظ، بلا فهم للغاية من تعلمه وبلا حب أو شغف يدفع إلى تحصيل المزيد منه بلا توقف؟

وأيضًا الحب لا يُرضي صاحبه إلا إذا كان صادقًا ونابعًا من الأعماق وماسًّا لشَغاف القلب بلا أي كبت أو إملاء أو سابق توجيه بانتظاره إلى أن يأتي مع الزمن أو بعد طول العشرة. ولكن كيف للقلب أن ينبض بصدق فينتشي الوجدان وسط كل هذا القهر والزيف والكذب والخداع والنفاق؟ بل كيف للإنسان أن يرتقي وهو مُحاصَر بكل أشكال التلوث السمعي والبصري التي تغمره بالضوضاء وتُجبره على الإقبال على العنف وتدفعه إلى عدم الحياء وانحدار الأخلاق وضياع القيم وهجرة الفضائل؟

فهل عَلَّمنا أبناءنا ما يريدون أن يتعلموه هم من علم نافع لهم لا ما نريد نحن أن نمليه عليهم من معلومات؟ وهل استفاد أبناؤنا حقًا من كل علم تلقوه بالتحفيظ والتلقين دون فهم أو استيعاب؟ وهل ما زال لدى أبنائنا الشغف بتحصيل المعرفة تحصيلًا حقيقيًا وبطلب العلم طلبًا واعيًا ينتج عنهما التفكير المبدع والمبتكر؟ وهل قمنا بتغذية وجدان الأجيال الجديدة بكل ما يرتقى بهم من فنون وآداب سمعية وبصرية تُنشط أحاسيسهم الفطرية وتسمو بفطرتهم الحسية والشعورية والفكرية؟ وهل كلمة الحرية ما زالت موجودة في قاموس المعاني الذي يحمله كل إنسان في ضميره كي يسترشد به طوال حياته ما دام يوقن أنه ما زال حيَّا ومن حقه أن يحيا حياة كريمة؟ أم أنها قد مُحيت من كل المعاجم والقواميس فلم يعد لها أي مكان في السرائر أو خارج جدران السجون؟

إننا إن أهملنا المدخلات السليمة فلا يجب أن ننتظر أية مخرجات على مستوى متميز، وإذا كنا بحق نسعى لأى نوع من أنواع التميز فعلينا أولًا أن نُحسن إدخال كل ما هو متميز لعقول وقلوب صغارنا قبل أن يكبروا. وعلينا أيضًا مثلما نحرص كل الحرص على إلزامهم بالإجراءات الاحترازية خوفًا عليهم من هجوم الفيروسات التي قد تسبب لهم الأمراض المعدية، أن يكون لدينا نفس الحرص على عقولهم وقلوبهم وضمائرهم فنحصنهم ضد الفيروسات المُشوِّهة لكل جمال والمُحطِّمة لكل قيمة والحاجبة لكل نور والقاضية على كل حياة ، وذلك قبل أن نتوقع منهم أى إبداع أو إنجاز حقيقي.

فبعث الروح فى أية أمة يكون ببعث الحياة فى أبنائها عقلًا وضميرًا ووجدانًا من أجل أن تتحرك الأجساد بحرية وعن وعي فتُقدم للبشرية ما يرتقي بها من إنجازات نابعة عن فكر سليم ومتجدد. أما إذا ظللنا نظن أن صغارنا ليسوا سوى أوعية فارغة علينا أن نملأها بما نريده ونختاره لهم، ما دمنا نملك زمام السيطرة والسيادة عليهم، فسيظل بذلك صغارنا طوال حياتهم لقمة سائغة في يد كل من يستضعف الصغير ويستهين بقدرته على النمو والنضج والتحرر معتمدًا على نفسه ومتحملًا لمسئولية حياته.

وإذا كان كل ما يعنينا هو انبهارنا بقوتنا وقدرتنا على التحكم فيمن نفضل أن يظلوا دائمًا صغارًا، فتكون متعتنا الوحيدة التي ترضينا فنرضى بسببها عنهم هي أن نراهم تابعين وخانعين ومستسلمين داخل القفص الذي صنعناه خصيصًا لهم، والذي من السهل أن يصنعه غيرنا لهم، فإنهم طالما ظلوا سجناء في تلك الأقفاص الحديدية، فسيستمر تلقينهم منا ومن غيرنا إلى أن تفيض عقولهم بما أُرغِمت على استيعابه، فلا يكون لها أية قدرة في المستقبل على استيعاب المزيد؛ ومن ثم ستتوقف تمامًا عن العمل إلى أن يصبح وجودها بلا أية قيمة. وللأسف فإننا بهذا السلوك الذي نستهين به نكون قد تسببنا في فقدان أمتنا للحياة التي ربما لن تعود لها ما دمنا مستمرين في قتلها عن عمد ومع سبق الإصرار والترصد.

أما آن الأوان كي نرشد أبناءنا إلى طريق العلم النافع فنُمدهم بكل ما يُمَكنهم من تحصيله مع ترك لهم حرية اختيار ما يتعلمونه بأية طريقة كانت؟ آنذاك فقط سنكون قد بعثنا فيهم روح الحرية التى بها سيتطهرون من كل دنس قد يصيبهم فى رحلة الحياة، وسيتمكنون من اختيار طريقهم في الحياة والعمل المناسب لقدراتهم والمنشط لطاقاتهم الإبداعية؛ ومن ثم ستكون لديهم المقدرة على الانتصار على كل طغيان أو استبداد قد يُعطِّل مسيرتهم نحو الانطلاق والإبداع.

نعم إننا نحن من قتلنا روح أمتنا عندما قيدنا حرية أبنائنا وحجبنا عنهم نسيم الأمل فأصابهم اليأس من المستقبل بعدما أيقنوا أنه لا مجال لأي تغيير. نعم نحن الذين أزهقنا فيهم روح الإبداع، وأفقدناهم الثقة في أنفسهم، وأبعدناهم عن الانسجام مع الحياة ومع معناها عندما فرضنا عليهم الصمت ومنعناهم من التعبير بحرية وألزمناهم بالانصياع والانقياد والخنوع والمذلة كي يتَّبعوا كل ما هو مفروض عليهم بالقوة ويخضعوا لكل من يستطيع أن يمسك بلجام حريتهم بالسطوة محاصرًا إياهم سمعًا وبصرًا بما يرغب أن يتم تلقينهم إياه وفقط.

ونحن أيضًا من يستطيع أن يُحررهم مما أخضعناهم له عنوة، قبل أن يستردوا بأنفسهم زمام حريتهم يومًا ما؛ لأنهم حتمًا لن يظلوا أبد الدهر أمواتًا بلا حياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: