الجمعة , مارس 5 2021

ايات رجب هلال تكتب … غريب القهوة

“غريب القهوة”

” لا يُقاس الشخص بما حصد ؛ بل بما قدَّم ” ..
لا يعني هذا شيء في مجتمعنا .. فالشخص لدينا هنا بما يبدوا عليه من مظهر و ثراء ؛ لم يعُد يهمنا الخلق أو الدين أو الوّد ،و طيب المعاملة ،و اللين لكن من الأفضل أحيانًا أن نتغاضى عن حماقات المجتمع، ونرسم الصمت وإن عمَّ الضجيج كل الأركان .. لا أعتقد أن هناك شخص يستحق أن تعكر مزاجك عليه؛ مادام يهذي كلامًا فارغًا .. إلا ذاك الذي يعكر صفو هدوئك و يضيع عليك التلذذ بأول رشفة من قهوتك في الصباح او عندما تقرأ كتابك المفضل؛ فهذا يستحق القتل .. إقتله رجاءً .

إستيقظت من نومي باكرًا اليوم ، وكل ما أتمناه أن يمر اليوم دون تعقيد أو خذلان .. دون أن أبكي أو أخسر شيء بداخلي كالعادة أصبحت أكبر أحلامي أن أعيش حياة هادئة طبيعية .. وحبذا لو وجدت من يتقبلني يومًا بكل ما أنا عليه من بشاعة، وأن أجد من يحب بشاعتي لا أكثر ..
إحتسيت كوب القهوة المر الذي لا أضيف له سوى فتات بسيطة من السكر لأحتفظ بمرارته فهو الشيء الوحيد الذي أجده يمثلني .. له لون أسود وطعمه مر لكنه أجمل المشروبات لي .
وأكثر ما قد أتمسك به هو ذاك الكوب .
اليوم أمي ليست هنا فقد أخبرتني بأنها ستذهب لقضاء الحوائج .. ونبهتني أن أتناول أدوية الضغط خاصتي .. تلك التي لا أطيقها ولا أقتنع بكوني مريض ضغط من الأساس .. اليوم سأتحرر من قيود تلك الأدوية ولن يعرف أحد .. ما قد يضرني إن لم أخذها مثلًا !

لا يزعجني شخصيًا إلا الشخص المتطفل الفضولي؛ على الرغم من أنني أكثر الأشخاص فضولًا ..
يثير غريزتي الفضولية خاصةً عندما أرى – هدوء الطرقات و الأرصفة لأول مرة في السابعة صباحًا ذروة التزاحم و التبكير لذهاب معظم كائنوا مدينتي إلى وظائفهم و دراستهم .. لكن المشهد الآن مريبٌ حولي أنا لا أرى أحدا ! .. أين التشاجر و المُشادات الكلامية و الفظاظة اللفظية و بعض السبائب البذيئة من سائقي العربات ..
مر من الوقت ستون دقيقة ولازلت أتجول و الوضع كما هو لا أحد، لا بشر ، لا كائنات تعكرني ، لا أحد ينعتني بـ ” مرحبا أيها الهاديء المنطوي الذي لا يفعل شيء سوى الصمت وتصفح الهاتف و الكتب ” لا شيء حقًا ! يا إلهي إنه على الأرجح أسعد يوم في حياتي ..
هل سأعيش وحدي كما كنت أحلم ، و سأجوب كل البيوت ،و الزقاق ، وأقود أي عربة أرغب بها و أفتعل حوادث مرورية – يا للسعادة يا للهناء لن أذهب إلى وظيفتي المملة مثل كل يوم .. لن يتواجد أي مصدر إزعاج حولي ، و لن يكون هناك بشر غيري يا ويلي من السعادة أنا .
لكن أين ذهبوا؟! هل حل وباء و قضىٰ عليهم جميعًا ماعداي !
لكن كيف سيعيش البشر بعدي .. أن إنقرضت فأنا آخر البشر .. !
يا ويلي لا لا يجب أن أبحث جيدًا لرُبما أجد بشرا آخر من بنو آدم أنثى لرُبما .. تكون جميلة جدا وتكون كأنها نسخة مني .. لن يراها أحد غيري ولن أرى أنثى غيرها حبذا لو كانت نصفي الذي أبحث عنه .. تلك الشبيهة الخيالية ، ويخلوا لنا الكون بما فيه ونحن البشريين فقط .. ماذا لو وجدتها ؟!
مرت ساعات من البحث على أي مؤشر لحياة أحد فلم أجد حتى هرة .. حتى لم أجد جثمانًا واحدًا .
مرت ساعاتٌ أخرى وسمعت صوت يضجرني قليلًا وسط ذالك الصمت .. إنه صوت معدتي الخاوية تريد أن تفترس بعض الطعام أيًا كان ؛ ولحسن حظي إلتفتُ حولي فوجدت محل تجاري ضخم به بعض البقالة و بالطبع لا أحد غيري .. كان موصدًا فإقتحمته كاسرًا جزءًا من الزجاج لا يضر .. دخلت وكأنني في مدينة أحلامي كل أنواع البقالة متاحة لي أنا فقط ؛ فمكثت ألتهم الحلويات بنهم ، ومن ثم تبعته ببعض العصائر المنعشة ولا ضرر ولا ضِرار ببعض الجبن والخبز وهيا أفسد معدتي بمجموع من الأشياء والأطعمة المختلفة .. فأنا حرٌ الآن .
كان كل شيء على ما يرام حتىٰ .. حتىٰ ظهر بعضٌ من البشر ليسوا على سجيتهم .. إنني أشاهدهم يفترسون حيوانًا ميتًا إنه كلب يفترسون كلبًا ميتًا على الأرض يا ويلي .. !

كنت أعرف أن البشر مريبون لكن كيف وصلوا إلي هذا الحد من البشاعة .. كيف أصبحوا بهذا السوء !.
كنت أراقبهم عن كثب دون أن أبتعد أو أخاف .. حتىٰ إلتفتوا لي .. و بدأوا بالسير نحوي متعرجين ببطء وأشكالهم مريبة .. الآن أعرف إنهم “زومبي” .
ركضت سريعًا لأختبيء وأحتمي بأي شيء حتى وجدت عصا كبيرة .. فأمسكتها وإنهلت عليهم بالضرب على الرأس لأفقدهم الوعي ويبدوا أنهم كانوا ضعفاء جدا فلم يقاومو كثيرًا .. وأطحتهم جميعًا أرضًا .

وقررت أن أعود أدراجي الي البيت قبل أن يظهر المزيد ..
أنا لا أعرف حقًا ما الذي يجري .. لم أعد قادرًا على إستيعاب هذا الأمر .

عدت إلي بيتي وكأنه أصبح أغلى ما أملك الآن فلا وجود لأي شيء آخر أعرفه .. لا وجود لحضن والدتي ولا مزيد من أصدقائي .. لقد تنازلت عن حبي للعزلة .. أنا أريد الجميع أين أنتم أنا آسف .. بدأت بالصراخ والصياح قائلًا : أي أحد طبيعي رجاءً أنا آسف عودوا إليّ .. لا أريد كوني وحيدًا ؛ أريد الإطمئنان بكم جميعًا ، وأريد أن يحادثني أحد أي أحد رجاءً .
حتىٰ حل عليَّ النعاس و غمرت بنومٍ عميق ..
إستيقظت وجدت أمي بجانبي كانت توقظني بكل حب .. فعانقتها بشدة وقلت لها ” إشتقت لكي امي يا ملاكي .. لقد كان كبوسًا بشعًا .. لا تتركيني أبدًا رجاءً أحبكِ أمي .

بدأت تبكي بشدة فتساءلت: ماذا بكي !؟
حتىٰ دخلت الشرطة ومعها طاقم من مشفى الأمراض النفسية ..
فوجدت أمي تبكي و تقل لي : ألم أنبهك أن تأخذ أدويتك لكي لا يحدث ذلك أبدًا .. ألم أقل لك أن تكف عن عزلتك تلك التي حولتك لشخصٍ مريض عقلي يرى هلاوس !؟
كيف ألم تقولي لي بأنها أدوية ضغط الدم !
ألم تقولي لي أني مريض ضغط وهذا دوائي ! كيف ؟!

إنهمرت بالبكاء وقالت: آسفة لم أكن اريدك أن تعرف كنت أريدك بخير دائما .

سألت الشرطي : ارجوك قل ماذا فعلت أنا ليلة أمس ؟
قال بأنني اقتحمت محل تجاري وقمتُ بضرب مجموعة من الشبان بالعصا بينما كانوا يتناولون وجبة في مطعم بالجوار .
الآن كل شيء بدا طبيعيًا فأنا حبيس مشفى الأمراض النفسية ، أتناول أدويتي بإنتظام .. وأتمنى يومًا واحدًا من حياتي الطبيعية وأصدقائي وأسرتي .

يا ليتني كنت أعرف يا ليتني كنتُ أصغي لحديثهم وأندمج معهم .. لماذا فعلت هذا بي؛ إذا هناك أي مذنب في أنا به فهو أنا .!

لـ آيات رجب هلال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: