السبت , سبتمبر 19 2020

سعيد وهبه يكتب ….مرافعة تاربخية ل”صالح سليم” ..عن حق الصحفى فى حماية مصدرة

ما أن دخلت “تراس” المبنى الاجتماعى للنادى الاهلى، لحضور المؤتمر الصحفى الذى دعى إليه مجلس الادارة، حتى تحول المكان الذى كان يعج بكبار النقاد والإعلاميين لقاعة محكمة، افتتحها الفريق مرتجى بعريضة اتهام للعبد لله مفادها إفساد المؤتمر الصحفى بنشر تفاصيل خبر هام جدا، كان يرتب مجلس الإدارة لاعلانه فى المؤتمر.او بعبارة أخرى تسببت دونما قصد منى فى إحراق المؤتمر ونشوب أزمة بين مجلس الاهلى من جهة، والاستاذين نجيب المستكاوى وعبد المجيد نعمان من جهة أخرى.

كان الجميع يجلسون فى دائرة وما أن وصلت وكان الجميع بانتظار وصولى حتى عاجلنى الفريق مرتجى وكمال حافظ بالأسئلة: مين أداك الخبر ؟ لابد أن نعرف من الذى سرب الخبر من مجلس الإدارة لأنه يعمل ضد مصلحة الأهلى. 
وكانت ردودى: هل الخبر صحيح أم خاطيء ؟ إذا كان خاطئا فسوف انشر تكذيبا أما إذا كان صحيحا فتلك ليست مشكلتى.
وصاح كمال حافظ شاخطا: لازم تقول لنا مين اللى سرب الخبر والا فلن تحصل على خبر من النادى بعد اليوم.
ما ينفعشى أقول. .مش حقول ..انا أحمى مصدرى..انا مش نذل..
لا هتقول .. لا مش هقول.
وهنا فض الاشتباك محام تولى الدفاع عنى..كان المحامى الذى ترتفع عنى هو صالح سليم عضو مجلس إدارة الاهلى والمشرف على الكرة. والواقع أنها لم تكن مرافعة عنى شخصيا وإنما عن حقى فى الدفاع عن مصدرى 
أما الخبر الذى آثار الأزمة فقد نشرته فى الصفحة الأولى ب”الجمهورية” قبل منتصف فبراير 1973 بعنوان
“بيليه يقود سانتوس أمام الاهلى يوم 18 فبراير باستاد القاهرة”
فى الليلة التى سبقت نشر الخبر اتصل الاهلى بكل الصحف ومنها الجمهورية لحضور مؤتمر صحفى هام جدا..وكان المؤتمر بخصوص المباراة التى نشرت تفاصيلها موعدها.
وسالنى الاستاذ ناصف سليم ضاحكا “هل ستحضر المؤتمر” الذى حرقته؟ قلت طبعا عشان اشوف دخان الحريق.
كان موعد المؤتمر فى الرابعة مساءا وفى طريقى إلى المؤتمر مرورا باستاد التتش رأيت صالح سليم يتحدث مع عزت أبو الرووس مدير الكرة أمام باب غرف الملابس فالقيت التحية لهما عن بعد، لكن الكابتن صالح أشار لى بأنه يريدنى.فانهى حديثه مع الكابتن عزت وسالنى:
مين اللى أداك خبر ماتش سانتوس؟
قلت: ليه يا كابتن ؟ هو غلط ولا صح؟
قال: الخبر صحيح لكن اللى سرب لك الخبر قبل إعلانه فى المؤتمر الصحفى شخص يعمل ضد مصلحة الأهلى لأنه بيبوظ علاقة النادى بجميع الصحف التى لم تحصل على الخبر.
قلت: لم يكن هذا قصده..كان يجاملنى.
مين هو بقى اللى جاملك على حساب الاهلى؟
قلت: اسمح لى يا كابتن .. ما ينفعشى اقولك هو مين.
سالنى : ليه 
قلت : انا مؤتمن على سر فهل اذا أتمنى أحد على سر ..فهل من المروءة أن تفضحه وتخذله وتفشي سره ؟
سكت صالح ولم يرد إلا اننى وجدت أثرا إيجابيا على وجهه حين زغدنى بسبابته فى صدرى وهو يقول:
طيب تعال معايا يا فيلسوف..وقل لهم الكلام ده..
وتوجهنا معا إلى حيث المؤتمر..وإلى حيث المحاكمة وإلى حيث سالنى الفريق مرتجى: مين أداك الخبر ؟ قلت : ينفعشى أقول يا سيادة الفريق اعذرنى..لا هتقول ..قالها كمال حافظ بنبرة تهديد..فقلت بحماس الشباب والدماء تغلى فى عروقى: لا يا كمال بك مش هقول. رد يعنى ايه مش هتقول..قلت يعنى مش هقول لأنها مسألة “ethics” ..وكنت أعنى “أخلاقيات” المهنة.
وهنا تكلم صالح سليم قائلا بنبرة حادة وغاضبة:
انتم بتحاسبو الراجل اللى بيؤدى شغله صح..وبيحمى مصدره..انتم عاوزينه يطلع نذل مع واحد أءتمنه على سر ؟
أنتم عاوزين الصحفى يبقي ما عندوش شرف مع الناس ؟ 
ابحثوا عن “العيل” اللى فى مجلس الإدارة اللى بيسرب الأخبار..بعيدا عن هذا الرجل ..قال الفريق مرتجى: لا يا صالح ما عندناش عيال فى مجلس الادارة..رد الكابتن نعمان : آمال الخبر اتسرب منين؟ انتوا عاملين مؤتمر صحفى للتحدث عن خبر محروق.
قال مرتجى: يا كابتن نعمان “سعيد وهبه”موجود فى النادى طول النهار ومندوب الأخبار كسلان والمثل يقول الرزق يحب الخفية.
بعد المؤتمر قال لى الكابتن نعمان : ما تزعلشى يا سعيد..احنا بنتكلم فى مسألة مبدأ. .انت عملت سبق صحفى وبرافو عليك.
ورغم مرور 44 عاما على هذه القصة لم يزل موقف صالح سليم معى ومساندته لى فى ذلك الموقف محفورا فى ذهنى..هذا الموقف قد يكون عابرا أو عاديا أو قد يراه البعض تافها، لكنه بالنسبة لى كان كاشفا لأحد ملامح شخصية صالح سليم ..الذى رغم رحيله عن الدنيا قبل 15 عاما لم يزل حضوره قويا فى الذاكرة الجماعية لجماهير الكرة المصرية.
ترى ما سر هذا الحضور الطاغ، وتلك الشعبية الكاسحة، للاعب كرة لم يكن أحرف من الخطيب ولا الضظوى ولا رفعت الفناجيلى ولا أبو تريكة.
هل هو طول العطاء والخدمة الطويلة لاعبا وإداريا ورئيسا للأهلى؟ حسن حمدى رغم تاريخ الخدمة الطويل لاعبا وإداريا ورئيسا للأهلى لم يحظ بذات المكانة وذات الحضور فى العقل الجمعى الاهلاوى ..كثيرون افنوا حياتهم فى الاهلى..ومختار التتش كان نموذجا فى العطاء والاخلاص بل كان اكثر من ارسي مبادئ وقيم الاهلى التى مضى على أثرها صالح سليم.
أعتقد أن سر ومصدر عبقرية صالح سليم بل ومفتاح شخصيته يكمن فى تصالحه مع نفسه، بمعنى أنه يقول ما يفعل، ويفعل ما يقول، كان شجاعا صادقا مع نفسه ولم يكن ليكذب أبدا.
لقد عاش صالح سليم هاربا من الشهرة والأضواء وغير متهافت ولا متكالب..وكان استغناؤه عن الشهرة جزءا من استغناء عن مناصب يتهافت عليها الكثيرون.
لقد عرفنا عشرات المسؤلين الذين يموتون حسرة اذا غابت عنهم الأضواء الأضواء لحظة..ولم نعرف فى الوسط الرياضى وحياتنا العامة نموذج المستغنى..إلا فيما ندر والا ما رحم ربى.
لقد كان صالح سليم يمتلك مع الشهرة الطاغية والكاريزما والمجد وكل أسباب الاستعلاء والكبر..غير أنه كان معتدلا..متواضعا متباسطا مع الاخرين محتفظا بهيبته وقوة شخصيته بغير غطرسة وبغير حماقة وبغير غباء.
كان صالح سليم عبقريا فى تقدير حجم نفسه وحجم قدراته، رفض غير مرة أن يكون وزيرا لانها “مش شغلته ..ومش حرفته” 
ان مشكلة كثير من الناس..مشكلتهم مع أنفسهم هي المبالغة فى تقدير وزن أنفسهم وحجم أنفسهم. 
لقد رفض صالح سلم.. طلبا ذات يوم للزميل سلامة مجاهد بتسجيل مذكراته على شرائط كاست وقال: لا أتصور أن اجلس مع نفسي لساعات اتكلم عن نفسي..الكلام عن النفس شيء صعب ولا يطاق ..ثم من أكون حتى اتكلم عن نفسي؟
نحن هنا بصدد رجل لا يزن نفسه قياسا بشخصيات المجتمع الكروى وحده، رجل لا يختزل الكون كله فى ملعب الكرة..ولا يعتقد أن كرة القدم هى مصدر العبقرية.
لكنه يرى نفسه فى حجمها الطبيعى قياسا بشخصيات كثيرة أثرت الحياة المصرية فى الفنون والعلوم والآداب. 
إم كلثوم وعبد الوهاب ورياض السنباطى وعبد الحليم وطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وأحمد زويل وفاروق الباز وعبد الهادى الجزار وسيف وانلى وطلعت حرب وخضر التونى وسيد نصير وعبد اللطيف أبو هيف وسيد درويش ومئات من الشخصيات التى قفزت إلى ذهنه وهو يقول: من انا حتى اجلس واتكلم عن نفسي فى جهاز كاسيت ؟
فى غياب صالح سليم كما فى حضوره رأينا نماذج من المسؤلين العمالقة، فى الرياضة وفى كرة القدم وفى غيرها من المجالات، لا يكلون ولا يملون من الكلام عن أنفسهم وتضحياتهم وامجادهم وعبقريتهم التى لا يعرفها أحد !
مشكلة سوء تقدير النفس..أو ععا المبالغة فى تقدير الذات وتعظيم الانا..انظر الى الإعلام الرياضى حيث العمالقة والعباقرة..أكثر عددا من الإعلاميين المعتدلين ذوى الأحجام الطبيعية !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: