الخميس , يناير 28 2021

أزمة الزيادة السكانية

مع ارتفاع نسبة كبار السن في أوروبا عموماً والمانيا خصوصاً، تحملت القارة الأوروبية فكرة الإرهاب المحتمل مقابل استقبال ما لا يقل عن 2 مليون لاجئ شاب حتى الان من دول الشرق الأوسط.

كانت الفكرة العامة لحكام أوروبا هو مدي احتياج الاتحاد الأوروبي لأيدي عاملة شابة، فالعنصر البشري والايدي العاملة ثروة لا تقدر بثمن، والدول التي يرتفع فيها متوسط الاعمار فلا تجد ايدي عاملة بالشكل الكافي لإدارة قطاعاتها الصناعية هي دور في طريقتها للاندثار، لذا لا عجب ان تقبل أوروبا المغامرة في مقابل توطين ما لا يقل عن 2 مليون ايدي عاملة جديدة.
ولكن في بعض الأحيان تصبح تلك الثروة سلاح ذو حدين، هنا يأتي دور كيفية إدارة الموارد البشرية، الصين يبلغ تعدادها السكاني 1.38 مليار نسمة ما يصل الى 18.4 % من أجمالي سكان العالم، كذلك الامر بالنسبة للهند ثاني اعلى دولة في العالم بعد الصين في الكثافة السكانية وتبلغ 1.31 مليار نسمة أي 17.5 % من أجمالي سكان العالم.
سياسة الهند في إدارة الموارد البشرية هي النموذج الأمثل الذي يمكن ان ننفذه في مصر، فقد تفهمت حكومات الهند انه من المستحيل توظيف هذا العدد من السكان داخل الهند، وبالتالي فأن الاتجاه لــ “تصدير الموارد البشرية” هو الحل الأمثل، وفي عالم لديه اكتفاء ذاتي من المهن التقليدية مثل الأطباء والمهندسين، تطلعت حكومة الهند الى أكثر المجالات الصاعدة، فكانت البرمجيات بامتياز.
و هكذا طورت الهند نظامها التعليمي خاصة في مجال اللغة الإنجليزية و البرمجيات ، مع تحمل النظام التعليمي مسئولية نشر ثقافة العمل الحر (فرى لانس) وفكرة السفر للعمل بالخارج في سن مبكرة، وهكذا أصبح المبرمج الهندي اليوم يغزو العالم و من أعمدة هذا السوق، الهنود اليوم في كل مكان في العالم من دبي الى هوليود مروراً بلندن وحتى بعض العواصم الافريقية، هذه السياسة الهندية لم تنجح في غزو هندي للصناعات الكبرى او حل ازمة الفائض من الايدي العاملة فحسب بل وأصبح المبرج الهندي من اهم مصادر جلب العملة الأجنبية الصعبة للهند عبر تحويلات الأجانب.
اما الصين فقد طبقت سياسة المنازل المنتجة، بمعني انه بعض المهن او الورش يمكن ان تدار بغرفة في المنزل، بينما في مصر تصريح كهذا يمكن ان يكلفك أشهر عديدة وتحايل على القانون وعقدين لنفس الشقة احدها للسكن وآخر تجاري، ومع انتشار ثقافة العمل والإنتاج من المنزل أتت ثقافة ان تحمل انتاجك او انتاج مصنع تتفق معه وتجوب العالم للبيع، بالإضافة الى سياسات المصانع الصغيرة والمشروعات منخفضة الإنتاج.
ولكن يظل النموذج الهندي في اصلاح التعليم لتقديم ايدي عاملة قادرة على غزو أسواق العمل الدولية هي الإصلاح لمصر، التي يبلغ تعدادها السكني اليوم 100 مليون نسمة، وتأتي في المرتبة الرابعة عشر على مستوي العالم من حيث التعداد السكني بعد الصين والهند وامريكا واندونيسيا والبرازيل وباكستان ونيجيريا وبنجلاديش وروسيا واليابان والمكسيك واثيوبيا والفلبين.
وتبلغ الزيادة السنوية 2.5 %، ما بين اثنين ونصف لثلاثة ملايين نسمة، وهي نسبة كبيرة للغاية قياساً بالمتوسط العام علي مستوي العالم الذى لا يزيد عن 0.5 %.
وبالتالي نحن بحاجة الى تغيير ثقافة العمل في مصر، بدلا ً من السباق الطبقي للالتحاق بكليات القمة الكاذبة، ورهاب السفر للعمل خارج البلاد في سن مبكرة، وأوهام الوظيفة ذات المقر و سجلات الحضور و الانصراف و المكاتب المكيفة، حيث يجب نسف هذه المنظومة، بالإضافة الى تحسين التعليم فيما يتعلق باللغات الأجنبية خصوصاً اللغة الإنجليزية.
ويجب الإشارة هنا الى ان الشباب المصري قد قطع شوطاً هاماً بالفعل في هذا الدرب، فأن ثقافة الفرى لانس منتشرة بين الشباب المصري في مجالات البرمجة والكتابة الصحفية والأدبية، ومغامرة السفر للخارج من اجل الالتحاق بشركات البرمجة ايضاً أصبح لها قبول كبير لدي الشباب.
والى جانب اعتماد خطة لتغيير الثقافة العامة على ان تكون وزارات التربية والتعليم، والتعليم العالي والفني هي المسئولة عن التنفيذ، فلابد من فرملة الزيادة السكانية، ولكن هذه الفرملة لن تحدث بخطاب اعلامي يلقى باللوم والمسئولية كل دقيقة على المواطن، بل عبر إجراءات قانونية تستنسخ تجربة الطفل الواحد في الصين.
وكانت حكومة الصين قد سنت سياسات تهدف الى حرمان المواطن من الدعم وبعض الامتيازات الأخرى حال انجابه أكثر من طفل، ولكن الدراسات الصينية الحديثة اوصت بأن إنجاب طفلين فحسب هو الأفضل نفسياً للآباء والأبناء.
لدينا خطة التموين وبطاقات العيش والبنزين وغيره من الخدمات الرقمية المتعلقة بالدعم وان كانت بحاجة الى تحديث، لنضع قانون لا يسمح للأسرة الواحدة بتلقي تموين لأكثر من أربع افراد (الاب والام واثنين من الأبناء) ما عدا ذلك من الأبناء لا يحتسب في التموين.
يمكن تطبيق الامر ذاته فيما يتعلق بالالتحاق بالمدارس الحكومية، حيث يحظر على الطفل الثالث الالتحاق بالتعليم المدعم سواء المدرسي او الجامعي، وعبر تطوير تقني بسيط لكروت العيش والبنزين، يمكن يرفع دعم المحروقات والعيش عمن ينجب أكثر من طفلين بداية من تاريخ محدد يتم الإعلان عنه.
وبالتالي علينا ان نتحرك في محورين و ليس محور واحد، المحور الأول هو الاستفادة من وفرة الايدي العاملة بدلا ً من الشكوى والقاء التهم والتعميم ، وذلك عبر تأهيل المواطن المصري للاندماج في الأسواق العالمية بتحسين تعليم اللغات و المهارات الحديثة.
والمحور الثاني هو وضع برنامج إجراءات يحدد النسل بطفلين فحسب لكل زيجة، عبر عدم الاستفادة من برامج الدعم الحكومي فيما يتعلق بالتعليم والمحروقات والعيش والتموين وبرنامج تكامل، من اجل فرملة اغرب ظاهرة في التاريخ الإنساني، الا و هي ان الطبقات الأكثر فقراً هي الأكثر انجاباً بينما الطبقات الأكثر ثراء هي الأقل انجاباً عكس كافة قواعد التفكير و المنطق التي تحكم العالم عبر التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: