الرئيسية / فيس وتويتر / نسيبه عطاء الله تكتب ….مسيرة 01 مارس 2019

نسيبه عطاء الله تكتب ….مسيرة 01 مارس 2019

صفعت الباب خلفي، لكنّي في منتصف الطريق اكتشفت أني لست وحدي من صفعت الباب.
قضيت الليل وأنا أتقلّب على نار الحيرة، حتما تيغنيف لن يتظاهر فيها أحد، ولا أثق كثيرا في أن أجد بمعسكر ما أتمنّاه. ولم أكن لأسمح لنفسي بالبقاء في البيت كالجمعة الماضية أموت غيظا وكمدا. قفزت من فراشي، أعددت لمجة ودسست العلم في الحقيبة. كان قلبي قد حسم أمره مسبقا بأنّ الوجهة وهران حيث يمكنني أن أرفع صوتي بحرّية.
في طريقي إلى المحطة مرت بي حافلة مليئة بالنّساء وهنّ يزغردن، فعلّق عليهنّ بائع الخضر “زغردوا الآن وسترون لاحقا..” نظرت إليه بغضب وتمتمت في داخلي: “سنرى ما نريد وستندمون”.
نصف من الحافلة التي ركبت فيها كانوا متّجهين مثلي إلى وهران، وسمعتهم يقولون أنّ 30 حافلة انطلقت صباحا من مختلف بلديّات ولاية معسكر، نحو وهران
تسارعت دقّات قلبي، “إذن ستلتحم معسكر بوهران في صرخة واحدة”. النّساء اللواتي خنقهنّ العيب والحرام منهنّ من خرجن بذريعة ذهابهنّ إلى الحمّام الشّعبي. في يوم سمعن أنّه تاريخي، قرّرن الخروج من المطبخ وقول “لا”.
وفي وهران تحت شمس ربيعيّة من ساحة نوفمبر نطق الشعب متّحدا لا يُعرف كل واحد من أين جاء ومن أيّ سجن هرب: “وطني وطني، غالي الثمن، روحي بدني، نفسي ودمي…”
أرفع رأسي للسّماء فأرى الله يبتسم لنا في رفرفات الحمام، حين اتّحدت الطّيور وحلّقت النّوارس مع العصافير كيف لا يتّحد النّساء والرّجال والشّيوخ والأطفال. الجزائر الجزائرية بمفرنسيها ومعرّبيها وقبائلها وأعراقها..
ورأيت الدّموع تتحجّر في المآقي حين يهتف الشّباب “دعوة الحرّاقة يا بوتفليقة”
ونسائم البحر تفوح بجثث أزهار صغيرة، تفتح مسام قلبك ليتنفّس الوطن ويبكي.. وأنت ترى الأمّهات المحروقات بالفقد يطلقن الزّغاريد بدل الدّموع، وأنت ترى إخوة المفقودين يتقاسمون سيجارة واحدة ويلتحفون علما واحدا ويحوّلون أغاني الأعراس إلى هتافات الثّورة. كان الغضب في وهران متعطّرا بالأحلام وكلّ شابّة تبلّ ريق حبيبها بقارورة الماء الصّغيرة، وكلّ زوجة تلتصق بزوجها كقصيدة متناغمة، في أجلّ أشكال الخطاب لم يبك أيّ طفل رضيع كأنّ الشّمس أطعمت كلّ بطن جائعة حتى لا تُقطَع أصوات الفرح.
قال لي صديقي الذي يعمل في منصب حسّاس، أنّه قفز من السّور كطفل في المدرسة ليشارك في المسيرة. فقلت له نحن جيل الثّمانينيات وبداية التسعينات لن نكبر أبدا، سنبقى أطفالا لأنّهم سرقوا الطّفولة منّا، لم نعشها كما ينبغي كأنّنا في هذا البلد كنّا دوما مستعمرين بالخوف والمآسي والجنائز. نعم نحن الجيل الذي بكى على عبارة “ارفع راسك يا بّا” رفعنا رؤوسنا أمس للأمّهات اللواتي كنّ يرمين علينا من الشّرفات الماء والعصير والشّوكولا، وآباؤنا خلفنا يحيطوننا بقمصانهم البيضاء كالملائكة. وأبناؤنا على الأكتاف.. كأنّ الأرض تهدهدنا، سلّمت علينا الجبال والنّخيل والأمواج
وفي المسيرة رافقتنا بركات المجاهدين والمجاهدات، منهم الحاجّة الحسناء التي شاركتنا السير من بدايته حتى نهايته قدما بقدم. قالت لي أخبريهم أنّ عمري 76 عاما، لم أكن سأتخلّف عن يوم كهذا، وهي تحمل العلم الذي حملته يوم الاستقلال قالت لأجلكم يا أولادي لن نترككم لوحدكم، حفظكم الله وستركم حتى نفرح يوم استقلالنا من الخونة ويحكمنا “الرّايس اللي نحبوه لهاذ البلاد”. أولادنا بسببهم ضاعوا “وكيلهم ربي يا ولادي”.
رأيت في المسيرة أصدقاء صحفيّين ومحامين، لم تمنعهم كمّامات الكاشيريّين من ممارسة حقّهم في المواطنة.
تعلّمت كما تعلّموا درس الثّقة من أعماق المعاناة، هؤلاء الشباب الذين كنا نقرأ عنهم من خطابات متعالية، أثبت الشارع أنّهم أنفسهم الذين كنا نتسلق معهم الشاحنات في طفولتنا “المقزيّة المحقورة”. لم يشتم أحد كما يشتم المثقفون بعضهم على الفايسبوك، لم يسرق أحد، كنت ألقي بحقيبتي خلفي وأسير مطمئنة إلى أن الذي من خلفي ومن أمامي ومن جانبيّ أخي وأبي وأختي وأمي وابني.
وشعبي العظيم حمل أمس علم مصر وفلسطين، وكما غنّى للجزائر غنّى لسوريا
فمن قال أّنّنا شباب بعيد عمّا يحدث في العالم؟ من قال أننا فاقدو الإحساس؟ من قال أننا لا نحب بعضنا ولا الآخرين؟ من قال أننا نسينا فلسطين؟ من قال أنّنا أبناء مواقع التّواصل والزّطلة كان عليه أن يخرج إلى الشارع ليقرأ الحقيقة التي لا توجد في برنامج خط أحمر وما وراء الجدران وقنوات البيز.
ندامة الكسعي ستخنق كلّ شخص نام أمس، في شيخوخته. هذا الوطن لنا جميعا وحتّى الله الذي في الجزائر لا يوجد في مكّة. نحن شعب له ربّ عظيم غالب على كلّ شيء، الله هنا أقرب إلينا من حبل الوريد، الله هنا ناداه الشعب أمس بروح واحدة ودين الوطن الواحد “لا إله إلّا هو”.
شهد سبحانه أمس كيف الرّوح التي نفخها في هؤلاء لو لم يكونوا من طينة الجزائر هل كانت ستحلّق النّسور مع الحمام؟!
وسيشهد كلّ يوم أنّنا لن نسكت حتّى تحيا الجزائر
وسيكون معنا لأنّنا سعينا

تعليق واحد

  1. سارة العايش

    رائعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: