سمير زين العابدين يكتب :”مفاوضات إسلام آباد 2026: مخاض عسير لاتفاق مستحيل وصراع على “قواعد الاشتباك”

تقف المنطقة هذه الأيام أمام مفترق طرق تاريخي؛ فبينما تُفتح أبواب القاعات المغلقة في إسلام آباد أمام الدبلوماسيين من واشنطن وطهران، تظل المدافع والصواريخ هي اللغة الأكثر وضوحاً على الأرض. إن هذه المفاوضات لا تبحث عن حلول وسط فحسب، بل تحاول لجم انفجار إقليمي باتت دول الخليج فيه أقرب من أي وقت مضى للدخول في مواجهة مباشرة وشاملة.
“فخ” القانون الدولي وأوراق الضغط الضعيفة
أحد أبرز محاور المناقشة هو المحاولة الإيرانية لفرض واقع قانوني جديد في مضيق هرمز. فمن خلال فرض “إتاوات” بالعملات الرقمية واشتراط تصاريح عبور، تحاول طهران تحويل “الالتزام بالقانون الدولي” (المرور العابر) إلى “منحة سياسية” تبيعها على طاولة المفاوضات.
إلا أن هذا الرهان يظل ضعيفاً؛ إذ إن القانون الدولي وموقف دول العالم—وعلى رأسها دول الخليج—يرفضون جملة وتفصيلاً جعل الممرات المائية مادة للمقايضة السياسية. إيران تدرك ضعف موقفها القانوني، لكنها تستخدم هذا “الابتزاز الملاحي” كأداة لرفع سقف المطالب، آملةً في مقايضة “التنازل عن الرسوم” بمكاسب حقيقية في ملف العقوبات.
النووي: “القبول المؤقت” كخديعة استراتيجية
في الملف النووي، تبرز استراتيجية “بيع المواقف المؤقتة”. قد تقبل إيران بتفكيك جزئي أو تجميد لعمليات التخصيب عالية المستوى (60 – 90%) لاستثمارها كرقاقة تفاوض ذهبية لرفع العقوبات وضخ السيولة في شريان اقتصادها المتهالك. لكن هذا “القبول” يواجه بجدار صلب من إدارة ترامب التي ترفض تكرار تجارب الماضي، وبموقف إسرائيلي “مذهول” من فكرة الهدنة، ومستعد لتنفيذ ضربات جراحية لإجهاض أي اتفاق لا ينهي القدرة النووية الإيرانية “فيزيائياً” وبشكل غير قابل للعكس.
استراتيجية “توسيع الحريق” ورهان الحافة
بسبب إدراكها أن إدارة ترامب تملك الجرأة للعودة للحرب الشاملة، لم تعد إيران تراهن على ضبط النفس الأمريكي، بل قد تتجه لسياسة “توسيع ساحة الحرب”. عبر قصف المنشآت الحيوية في السعودية والإمارات وتحريك جبهات لبنان والعراق، تسعى طهران لجر المنطقة بأكملها إلى الصراع.
الهدف هو إفهام واشنطن أن ثمن الحرب لن يكون إيرانياً فحسب، بل سيطال عصب الطاقة العالمي، مما قد يجبر المجتمع الدولي على التراجع عن شروط “الاستسلام” المفروضة في إسلام آباد.
دول الخليج: من “الردع” إلى “المبادأة”
المتغير الأهم في ربيع 2026 هو أن دول الخليج أصبحت على حافة الانخراط المباشر. لم يعد القصف الإيراني مجرد “تحرش سياسي”، بل تهديد وجودي للمقدرات. وتتجه التقديرات إلى أن أي فشل في المسار السياسي سيتبعه رد عسكري خليجي يتجاوز الدفاع الصاروخي إلى استهداف “رؤوس النظام” وترسانة الصواريخ والمسيرات في العمق الإيراني، بالتنسيق مع واشنطن، لإنهاء حالة الابتزاز التاريخية.
القوى الدولية: رقصة المصالح فوق الأنقاض
في ظل هذا المشهد، تتحرك القوى الكبرى ببراغماتية مفرطة:
الصين: رغم حاجتها لنفط المنطقة، إلا أنها تراقب بصمت؛ فهي تريد استمرار تدفق الطاقة لكنها قد تستفيد من انشغال أمريكا بحرب إقليمية لتمرير أجندتها في شرق آسيا. ومع ذلك، لن تقبل بصيغة إيرانية تفرض رسوماً دائمة على سفنها في هرمز.
روسيا: تجد في اشتعال المنطقة فرصة ذهبية لرفع أسعار الطاقة وتخفيف الضغط الغربي عنها في الجبهات الأوكرانية، لذا قد تدفع إيران (خلف الكواليس) لعدم التنازل السهل، مع الحفاظ على دور “الوسيط الممكن”.
الاتحاد الأوروبي: يعيش حالة من الذعر الاقتصادي والأمني، ويضغط باتجاه أي اتفاق “مهما كان هشاً” لتجنب موجات نزوح وأزمة طاقة خانقة، مما يجعله الطرف الأضعف في الضغط على طهران.
الخلاصة
إن احتمالات فشل مفاوضات إسلام آباد تظل هي الأقوى، ليس فقط لتباعد المواقف، بل لأن الأطراف الفاعلة (خاصة إيران وإسرائيل ودول الخليج) باتت ترى في المواجهة المباشرة سبيلاً أوضح لحسم الصراع من الدبلوماسية الملتوية. نحن أمام مشهد “عض أصابع” دولي، حيث ستكون الغلبة لمن يملك “الإرادة” الأقوى في تحمل تبعات الانفجار الكبير.