كتاب وشعراء

طُموحٌ تُحَطِّمُهُ صَخْرَةُ الواقِع… بِقَلَمِ حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ

مَا أَقْسَى الأُمْنِيَاتَ حينَ تصطدمُ بصخرةِ الواقعِ، وترتطمُ بجمودِ الحياةِ إذا عَزَّ الدافعُ!؛ فتتبدّدُ في صمتٍ، وتنكسِرُ بلا صوتٍ، فتلكَ فراشةٌ لم تنلْ حظًّا من اسمِها، ولا نصيبًا من هشاشةِ وزنِها، كأنّها لم تُخلَقْ للتحليقِ، بل لامتحانِ جناحَيْهَا، إنَّها فراشةٌ تعاندُ الجاذبيةَ بخيطٍ أوهى من أمنيةٍ مستحيلةٍ، تجرُّ صخرةً صمّاءَ نحوَ سُلَّمٍ لا يعدُها بشيءٍ، ترفرفُ، وترفرفُ، لا لتطيرَ، بل؛ لتؤجّلَ السقوطَ، فأيُّ مفارقةٍ هذه؟
جناحانِ ،كالحُلمِ جميلانِ، لكن غيرَ فاعلَينِ، مكبّلانِ بثقلٍ غائرٍ، تقاومُ لا لأنّ الصعودَ يُغريها، بل ؛ لأنّ التخلّي خيانةٌ لذاكَ المعنى الذي ظنّتْه يومًا سموًّا، فتشدُّ الخيطَ ؛ فيشدُّها، ويجرفُها بما تبقّى من رجائِها ،كأنّ الواقعَ لا يكتفي بإرهاقِ الجسدِ ، وإثقالِ الروحِ، بل يُعلّمُها كيفَ تألفُ قيودَها، فكلُّ درجةٍ تَصْعَدُها ؛ هبوطٌ مُقنّعٌ، وكلُّ رفرفةٍ تبذلُها ؛ نصلٌ خفيٌّ يطعنُ أجنحةَ الرجاءِ، ويُسقِطُها حتمًا دونما إنساءٍ، ومع ذلكَ لم تنكسرْ، كأنَّ في داخلِها سرًّا تعجزُ الصخرةُ عن إدراكِه بأنّ الطموحَ، وإن تَكَسَّرَ ظاهِرُه، يبقى في جوهرِه شَرارَةً تأبى الانطفاءَ.
يَا لهذهِ الفراشةِ، ما أثقلَ ما تحملينَ! ليس الحَجَر، بل وهمُ أنَّ القِمَّةَ ستُبدِّلُ الثِقَلَ خِفَّةً، وأنّكِ إذا بلغتِها صرتِ فوقَ ما حملتِ، لا تحتَه؛ إذ ليستِ المأساةُ أنّها أرادتِ العلوَّ، بلْ أنّها حملتْ ما ليس من طبيعتِها أن يُحمَلَ، فالجَنَاحُ خُلِقَ؛ ليُيَسِّرَ التحليقَ، لا لِيَجُرَّ ثِقَلًا، والروحُ إن أرهقَتْها الأعباءُ؛ عجزَتْ عن بلوغِ سمائِها، تظنُّ أنّ الارتقاءَ يُقاسُ بما نحملُه، لا بما نُحسنُ التَّخَفُّفَ منه، فتُغالِبُ السُّلَّمَ درجةً درجةً، والسُّلَّمُ لا يَرحمُ المُثقَلينَ؛ ففي الحياةِ، ليستِ القِمّةُ لمن يَجُرُّ أثقالَه مَعه، بلْ لمن تَعلَّمَ أن يختارَ ما يستحقُّ أن يُصاحِبَه؛ فكلُّ رفرفةٍ منها تهمسُ بحقيقةٍ قاسيةٍ: أنّ الطموحَ إذا جاوزَ طاقةَ صاحبِه؛ انقلبَ عِبْئًا لا جناحًا يُخَفِّفُ، وأنّ السقوطَ ليس عيبًا، لكنَّ الإصرارَ على حملِ ما يُسقِطُنا هو الهلاكُ بعينِه.
فيا عابرَ سُلَّمِ الحياةِ، خُذْ من الأحلامِ ما تُطيقُ، واتركْ ما يُثقِلُ روحَكَ قبلَ أن تستفيقَ؛ فما خُلِقْتَ لتبلغَ القِمَمَ منكسِرًا، بل؛ لتصلَها خفيفًا، مُنْتَصِرًا، كفراشةٍ لم تُخطِئْ معنى التحليقِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى