
بين فنجان قهوه وآخر، لا تولد الافكار الكبرى من قاعات المؤتمرات ولا من نشرات الاخبار فقط، بل قد تولد من مشهد بسيط يمر امامنا دون أن يلتفت اليه احد.
هذا الصباح، وبينما كنت ارتشف قهوتي في هدوء، استوقفني مشهد صغير في حديقتي، لكنه حمل في طياته حقيقه كبيره.
اعتدت ان اضع الطعام لمجموعه من الكلاب التي تعيش خارج البيت، لكن احدها كان هزيل وضعيف، فاخذ مني اهتمام خاص، وكنت اقدم له طعام افضل من غيره حتى يستعيد قوته.
ومع مرور الايام، بدا اكثر نشاط وحيويه، لكن المفاجاه لم تكن فيه بل في رفاقه.
كلما خرج ليلعب معهم هاجموه، وطاردوه، ومنعوه من الاقتراب منهم، حتى صار يعود مسرعا الى داخل الحديقه هربا من انيابهم.
عندها خطر ببالي سؤال كبير:
هل صنعت له الخير ام صنعت له عدوا؟
ادركت ان المشكله لم تكن في الطعام، بل في الامتياز.
فالتمييز، مهما كانت نواياه حسنه، يزرع في النفوس شعور بالغبن، ويخلق فجوه بين من نال الحظوه ومن حرم منها.
وهذا لا يحدث بين الحيوانات فقط.
يحدث حين يفضل اب ابن على اخوته، فيكبر المحظي محاط بالعداوه بدل المحبه.
ويحدث حين تميز ام ابنه على اخواتها، فتزرع دون ان تشعر بذور الخصام داخل البيت.
ويحدث حين تمنح الدوله الامتيازات لفئه دون اخرى، او حين تصبح الفرص حكر على بعض الناس دون سواهم، فتتراكم النقمه في القلوب حتى تصبح اخطر من الفقر نفسه.
فالناس قد تصبر على قله المال، لكنها لا تصبر طويلا على غياب العداله.
العداله ليست شعار يرفع، ولا خطبه تلقى، ولا وعد انتخابي يكتب على الورق.
العداله شعور يسكن النفوس، وحين يشعر الجميع ان الميزان واحد، تهدأ الصراعات، وتخف الضغائن، وتصبح المنافسه شريفه لا معركه بقاء.
ولعل اعظم ما تحتاجه البيوت والمجتمعات والاوطان ليس المزيد من الامتيازات بل المزيد من العداله.
فحين تحضر العداله، تختفي كثير من العداوات قبل أن تولد.
خربشات (المساواه) صباحيه