خيانةٌ.. والدمُ يبكي/ بقلم الكاتبة المبدعة/ إسراء يحيى الياسين 🌸

كانَ الغروبُ يُنزفُ دماً على أسطحِ المدينةِ، والريحُ تحملُ أنينَ الأجدادِ من تحتِ الترابِ. صمتٌ ثقيلٌ يلفُّ الشوارعَ، كأنَّ الحجارةَ نفسَها تخجلُ من وطأةِ الخطى. هناك، خلفَ الجدرانِ العاليةِ، حيثُ تُباعُ الأوطانُ بثمنِ كلمةٍ، كانوا يوقّعونَ على الورقِ الأصفرِ.. ورقةَ العارِ.
“لن يكونَ ثمنُ البقاءِ خيانةَ الدمِ”، هكذا قالوا وهم يُسلّمونَ مفاتيحَ القدسِ للغريبِ. عيناهُما تلمعانِ بالدولاراتِ، وقلوبُهما تتدفّآنِ بالجبنِ. كم مِن شهيدٍ دُفنَ في ظلِّ هذه الجدرانِ، وكم مِن دمعٍ سُكبَ كي يُرويَ ترابَ الوطنِ، بينما هم يُجفّفونَ الدمعَ بأعلامِ العدوِّ؟
يا خائنين!
الوطنُ ليسَ جسداً تُقطّعونهُ لِتُشبِعوا نهمَ الذئابِ! إنَّهُ روحٌ تسكنُ في عيونِ الأطفالِ، وعهدٌ يُورَثُ مع زغاريدِ الأمهاتِ. فكيفَ تبيعونَهُ بابتسامةِ سفيهٍ؟ كيفَ تضعونَ يدَكم في يدِ مَنْ سرقَ الديارَ وزرعَ الموتَ في حقولِ الزيتونِ؟
لقدْ صارَ الخائنُ بيننا كشجرةٍ مسمومةٍ، تُظلِّلُ الجميعَ بغصّاتِها. لكنَّ الشعبَ يعرفُ.. يعرفُ أنَّ الدمَ الذي يُسفَكُ على أعتابِ البيوتِ سيُنبِتُ يوماً زهرَ الثورةِ. فما أسرعَ ما تنسى الأوطانُ وجوهَ الخائنينَ، وما أبطأَ ما تنسى دمَ الشهداءِ.
وها هيَ الشمسُ ستشرقُ من جديدٍ.. لكنْ ليسَ لكلِّ العيونِ.