
في طرف الحرب
تجلس الذاكرة على حجرٍ بارد وتحدّق طويلاً.
العجائز يتحدثون عن معارك مضت، لكنهم لا يتذكرون الدم كثيراً.
يتذكرون أشياء صغيرة، أشياء لا تصلح للبطولة:
امرأة كانت تمرّ حاملة دلوا من الماء،
نافذة يخرج منها صوت مذياع قديم،
قطعة خبز ساخنة وضعت في يد جندي قبل أن يذهب ولا يعود،
قبلة خجولة في ظلّ مدرّعة صامتة،
عاشقان متلاصقان كأنهما جدارٌ صغير ضدّ الحرب،
يدٌ تبحث عن يدٍ أخرى في طريق النزوح،
امرأة تصلح أزرار قميص جندي بصمت،
رأسٌ يستريح لحظةً على كتفٍ متعب،
ضحكة خافتة في ملجأٍ تحت الأرض.
وأتساءل بصمت: لماذا تنجو التفاصيل الوديعة من النار،
بينما تختفي أسماء القتلى كأنها لم تولد قط؟
على الطرقات يمشي الذين خسروا بيوتهم.
لا يركضون،
الركض يحتاج أملا في مكانٍ آخر.
يمشون فقط،
كأن الطريق يدفعهم بكتفٍ خفية.
الأطفال يقلدون أصوات الرصاص بمرحٍ بريء،
والكبار يحدّقون في الأرض طويلا،
كأنهم يخافون أن يروا السماء
فتتذكرهم السماء أيضا.
المدن في زمن الحرب تشبه حقائب سفر قديمة.
كل شيء فيها قابل للحمل أو الضياع.
المقهى الذي كان مليئا بالضحك
يقف الآن مثل طاولة يتيمة في الريح.
المدرسة صارت مبنى صامتا
كأن الحروف هربت من دفاترها ليلا.
والحديقة التي كانت مأوى لرسائل العشاق
لم يبق فيها سوى شجرة
تتأرجح فوقها ذكرى خجولة
كقصيدة لم تجد من يقرؤها.
حتى الشعراء يتصرفون بغرابة.
بعضهم يختبئ بين الناس
كأنه موظف بلدية ضائع،
وبعضهم يولد فجأة بين الدخان
ويمسح الغبار عن الكلمات
كما يمسح جندي عن بندقيته.
وفي هذا الخراب الواسع
أفكر أحيانا في كلمةٍ صغيرة
يمكن أن تعيش بين الناس مثل رغيف ساخن.
لكن لساني منذ الطفولة يعاند أحد الحروف،
يتعثّر به
ويترك الجملة ناقصة قليلا.
وأحيانا أفكر أن الحروب كلها
بدأت من جملة ناقصة كهذه.
ربما كان العالم يحتاج حرفا واحدا فقط
كي لا يطلق النار.
حرفٌ صغير يسقط من فم طفل في الشارع
فتتوقف دبابة فجأة كأنها تذكّرت أمها.
لكن الحرف لا يأتي.
يخرج من حلقي بدلا منه صوتٌ أجشّ
يشبه بابا قديما يُخلع من مفاصله،
ويطير في الهواء
كأنه طائر مذعور اصطدم بتاريخ البشرية كله.
وحين أصمت أخيرا أفهم شيئا متأخرا:
أن الإنسان لم يخسر الحروب لأنه ضعيف،
بل لأنه يتكلم كثيرا
بينما الرصاصة
تعرف جيدا
كيف تقول فكرتها
في كلمةٍ واحدة.