
في عام 2010 وقعت شركة سكاي نيوز البريطانية شراكة مع شركة شركة ‘الاستثمارات الإعلامية الدولية (IMI) ” الأماراتية بأطلاق قناة عربية مناصفة وبدأت القناة الجديدة بثها من أبوظبي تحت أسم سكاي عربية كقناة أخبارية مستقلة (نظريا) وهي متخصصة في الأخبار على مدار الساعة.
منذ أكثر من شهر، تسربت معلومات تفيد بأن شبكة سكاي البريطانية، المملوكة لعملاق الإعلام الأمريكي (كومكاست) ، أبلغت شريكتها الإماراتية، التي يمتلكها الشيخ منصور بن زايد آل نهيان برغبتها في إنهاء عقد الشراكة بحلول العام القادم.
جاء هذا القرار في سياق اتهامات وُجّهت إلى Sky News Arabia بشأن تغطيتها للحرب في السودان، حيث وُصفت بعض تقاريرها بأنها منحازة لأحد طرفي النزاع. ووفقًا لصحيفة The Guardian، أبدى مسؤولون في الشركة الأم في لندن قلقهم من مضمون بعض التغطيات، بما في ذلك تقرير وصف الأوضاع في مدينة الفاشر بأنها “مستقرة وآمنة”، في وقت أشارت فيه تقارير دولية، من بينها تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، إلى وقوع انتهاكات واسعة، اعتبرها بعض المراقبين ترقى إلى جرائم إبادة جماعية، لا سيما في دارفور.
وفي المقابل، اتهمت الحكومة السودانية القناة بالتضليل،وحظرتها في مناطق سيطرتها داخل البلاد.
ومع أن متحدثًا باسم الشركة الأم في بريطانيا نفى أن تكون المناقشات بين الجانبين مرتبطة بالخط التحريري للقناة العربية، فإن الجدل القائم يثير تساؤلات أوسع حول طبيعة هذه العلاقة. وبغضّ النظر عن مآل تلك المناقشات—سواء انتهت الشراكة أم استمرت، وسواء واصلت القناة البث تحت الاسم نفسه أم أعادت التموضع بعلامة مختلفة—فإن الأزمة الراهنة تفتح ملفًا أوسع يتعلق باستراتيجية بعض الدول العربية في توظيف فائضها المالي للاستحواذ على أسماء مؤسسات إعلامية عريقة، لإستخدامها في ما يخدم توجهاتها السياسية، بعيدًا عن الغاية الأصلية لهذه المنصات بوصفها فضاءات للرأي الحر والبحث عن الحقيقة.
إلى جانب النموذج الإماراتي مع (سكاي)، يبرز أيضاً نموذج صحيفة الإندبندنت البريطانية،التي ظهرت لأول مرة عام 1986 في لندن وسرعان ما احتلت مكانة مرموقة في الصحافة الدولية. وفي عام 2017 استحوذ رجل الأعمال السعودي سلطان محمد أبو الجدايل عبر مجموعته “المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام. (SRMG) ” على نسبة مؤثرة من رأسمال الشركة الأم ليطلق عام 2019 أندبندت عربية من لندن ويمثل هذا النموذج ذروة استغلال الأسماء العريقة لتمرير أجندات إقليمية تحت غطاء من ‘البرستيج’ الإعلامي البريطاني، حيث يتم إصدارها رقمياً مطبوعاً كواجهة لسياسة الممول لا كمرآة لاستقلالية الصحيفة الأم.
أن هذا الاستثمار في الأسماء العالمية العريقة ليس مجرد بحث عن منصة للنشر، بل هو محاولة لـ”غسيل السمعة الإعلامية” واستعارة مصداقية بُنيت عبر عقود في الغرب وتجييرها لصالح أنظمة حاكمة لم يُعرف عنها يوماً احترامها لرأي ناقد، أو منحها هامشاً حقيقياً لحرية التعبير ؛ ولعل مأساة الراحل جمال خاشقجي، وكيف انتهى به المطاف أشلاءً مبعثرة قبيل زفافه بأيام، خير شاهد على ذلك. فالممول هنا لا يشتري تكنولوجيا أو تقنيات بث أو يوطن خبرة، بل يشتري “الحصانة المهنية” التي يوفرها اسم مثل (سكاي) أو (إندبندنت)، ليتمكن من تمرير خطابه السياسي تحت غطاء من الموضوعية المزعومة. غير أن ما فات هؤلاء هو أن المصداقية لا تُشترى بالاستحواذ على العلامات التجارية الكبرى، بل تُبنى بالاستقلال عن أروقة الحكم؛ وهو ما جعل هذه النسخ العربية تولد مشوهة، تحمل أسم المؤسسة الأم ولكن بروح الأجندات التي تُملى عليها من ملاكها العرب.
ومن أكبر مساوئ هذه المؤسسات احتكارها لمساحة التعبير؛ فلا (سكاي نيوز عربية) ولا (إندبندنت عربية) —مثلا— تسمحان بالنشر إلا لأسماء بعينها، إذ لا يتم تقييم المقالات والآراء بناءً على المعايير المهنية، بل وفقاً لمدى معرفة العاملين في المؤسسة بالكاتب أولاً، وبناءً على مواقفه المعلنة من التوجهات السياسية للدولتين الممولتين، الإمارات والسعودية في هذه الحالة؛ وهو النهج ذاته الذي تتبعه “الجزيرة العربية” بالذات. ولقد كان لي تجربة شخصية في هذا الصدد، حيث رُفضت مشاركاتي في (سكاي) و(إندبندنت عربية)، في مفارقة عجيبة، رغم أنني كاتب أنشر بانتظام وباللغة الإنجليزية في مطبوعات ومنصات عالمية مرموقة من قبيل “مجلة خطوط جديدة (Newlines mag)” الأمريكية و”روسيا اليوم (RT)”وغيرهما.
وفي الحالتين السعودية والإماراتية، يوجد رابط مباشر بين السلطة والمنصتين الإعلاميتين؛ ففي الإمارات، مالك “سكاي نيوز عربية” الشيخ منصور بن زايد، نائب رئيس الدولة ونائب رئيس مجلس الوزراء، في حين أن مالك حصة “إندبندنت عربية” من الجانب السعودي، الثري أبو الجدايل، تربطه شبكة وثيقة من المصالح الإستثمارية والمالية بدوائر القرار والعائلة المالكة السعودية. وبسبب هذه العلاقة العضوية، لم يكن لأحد أن يصدق أن أيًا من الوسيلتين الإعلاميتين في نسختهما العربية ستشبهان أصلهما البريطاني، ولو بنسبة واحد بالمئة.
والقاسم المشترك بين كل هذه الشراكات هو أنها لم تقم من أجل توطين صناعة إعلامية أو بناء مؤسسات وطنية بمواصفات دولية في أي من الإمارات والسعودية؛ إنما كان الهدف الأساسي هو السيطرة على المشهد الإعلامي أولا ً، أو نيل حصة مؤثرة في الأعلا العالمي، عبر توظيف الفائض المالي النفطي لخدمة الأجندات السياسية للسلطة، سواء في أبوظبي أو الرياض كنموذج. وتجلى ذلك بشكل أوضح بعد أن أفاقت العاصمتان فجأة على الهيمنة القطرية المبكرة على المشهد الإعلامي العربي إثر إطلاق الدوحة قناة “الجزيرة” عام 1996، التي توسعت أفقياً بتحولها إلى شبكة قنوات عديدة، وعمودياً بإطلاق «الجزيرة الإنجليزية» عام 2006، ثم مشروع «الجزيرة أمريكا» عام 2013.
وإذا كانت “الجزيرة أمريكا” قد فشلت مبكراً كما أخبرني مذيعها الرئيسي السابق في واشنطن، ديف ماراش (Dave Marash) —وهو أحد قدامى مذيعي شبكة “إيه بي سي” (ABC) الأمريكية” قبل أن تستقطبه الجزيرة— التي غادرها مقتنعاً بانحرافها المبكر نحو معاداة أمريكا دون مبرر مهني واضح ومستنكراً تدخل الدوحة المباشر في السياسة التحريرية لمكتب واشنطن؛ إلا أن نسختها العربية حققت نجاحاً باهراً قبل أن تتحول إلى “بعبع” و”غول” إعلامي، على حد تعبير أحد منتجي البرامج الحوارية في “الجزيرة الإنجليزية” وهو يدعوني للمشاركة في حوار من باريس. وقد أفرطت قطر في استخدام “الجزيرة العربية” كأداة سياسية حتى أفقدتها مصداقيتها؛ ليس فقط في إذكاء الفتنة في ليبيا وسوريا واليمن عام 2011، بل وضد السعودية والإمارات خاصة عام 2017؛ حين فرضت الدولتان حصاراً على قطر بسبب القناة، وكان من بين شروط رفعه الثلاثة عشر إغلاق القناة فوراً. وكما هو معروف، لم تُغلق القناة ورُفع الحصار لاحقاً، ولكن من نتائج تلك الأزمة القاسية —التي لعبت القناة دوراً رئيسياً في تأجيجها— هي استقدام قاعدة عسكرية تركية إلى قطر، ضمن استراتيجية أنقرة للهيمنة على المنطقة من ليبيا إلى الخليج، ولكن هذة المرة بررت أنقرا الأمر تحت ستار الاستجابة لطلب استغاثة قطرية في مواجهة جارتيها!