رؤي ومقالات

د. يوسف سلمان الريمي يكتب :إعادة تعريف التعليم في النزاع: من إدارة الانهيار إلى منع التفكك العالمي

اليمن ليس مجرد حالة إنسانية مأساوية تتطلب تدخلات إغاثية إضافية؛ بل يمثل إنذارًا مبكرًا لما يحدث عندما يُترك النظام التعليمي ليتآكل تحت ضغوط الصراع، والضعف المؤسسي، والفقر المزمن. ما نشهده ليس حادثًا استثنائيًا، بل تجسيدًا مكثفًا لمسار يمكن أن تسلكه أنظمة التعليم الهشة الأخرى حول العالم. بهذا المعنى، اليمن لا يكشف هشاشته فقط، بل يكشف ضعف النموذج العالمي الذي يتعامل مع التعليم في النزاعات على أنه مسألة طارئة وليست بنيوية.
عندما يتعثر التعليم، لا يتضرر قطاع خدمي فحسب؛ ينهار أحد الأعمدة الخفية للعقد الاجتماعي. المدرسة هي الفضاء الأول الذي يتعلم فيه الطفل معنى القواعد المشتركة والانتماء إلى مجتمع يتجاوز الأسرة أو المجموعة الضيقة. وعندما يتآكل هذا التجربة التكوينية على مدى سنوات، ينشأ جيل خارج إطار المواطنة الجامعة، ما يترك المجال لأشكال انتماء بديلة قد تكون منغلقة أو عنيفة. تدهور التعليم في اليمن، إذًا، لا يشير إلى فقدان التعلم فحسب، بل إلى تفكك البنى الرمزية التي تربط الفرد بالدولة والمجتمع المشترك.
في هذا السياق، تصبح مزاعم الحيادية في العمل الخيري صعبة الدفاع. كل قرار تمويلي يحمل وزنًا سياسيًا، سواء أُعلن ذلك أم لم يُعلن. خيارات المناطق المستهدفة، ونوع المدارس المدعومة، وشروط الشراكات كلها تحدد توزيع الفرص والموارد والشرعية. في بيئة منقسمة، قد يتحول ما يسمى بـ”الحيادية السلبية” إلى تعزيز غير مباشر لللامساواة القائمة. تجاهل البعد السياسي لا يمحو تأثيره؛ بل يجعله أقل خضوعًا للمساءلة.
لا يكفي إذًا أن يقتصر التمويل على المدخلات المادية—مثل الحقائب المدرسية، والمباني، أو الترميمات—دون مساءلة أعمق حول من يملك السلطة المعرفية داخل النظام التعليمي. من يقرر ما يُدرَّس؟ من تُروى قصته في المناهج؟ من ينتج المعرفة التربوية؟ التحول المطلوب هو الانتقال من توزيع الموارد إلى إعادة توزيع القدرة على إنتاج المعنى والمعرفة. في السياق اليمني، يعني ذلك تمكين المعلمين والخبراء المحليين من صياغة محتوى يعكس واقع المجتمع وتحدياته، بدل الاعتماد على نماذج جاهزة أو مناهج خاضعة لتجاذبات سياسية ضيقة.
ومع ذلك، يكمن أحد أكبر التحديات في أن التمويل الطارئ، عند طوله، يتحول من أداة إنقاذ إلى آلية للحفاظ على الوضع الاستثنائي. التمويل قصير الأجل يبقي المدارس مفتوحة شكليًا ويوفر حوافز مؤقتة للمعلمين، لكنه لا يبني استقرارًا مؤسسيًا. النتيجة هي نظام تعليمي “نصف حي”: لا ينهار بالكامل ولا يتعافى فعليًا. هذا يخلق وهمًا بالاستقرار بينما يستمر التدهور البنيوي بصمت.
من أوضح مؤشرات هذا التدهور وضع المعلم. المعلم الذي لا يتلقى راتبه بانتظام ليس مجرد ضحية أزمة مالية، بل مؤشر مبكر على تآكل قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية. استمرار التعليم بتضحيات الأفراد لا يمكن أن يحل محل نظام مؤسسي مستدام. عندما يُنقل عبء الحفاظ على النظام من المؤسسات إلى الأفراد، يصبح التعليم رهينة الصمود الشخصي لا السياسات العامة.
ومع ذلك، حتى في أقسى ظروف النزاع، تظل المدرسة واحدة من آخر المؤسسات العامة التي تحمل معنى الحياة المدنية. إنها مساحة يلتقي فيها الأطفال خارج منطق السلاح والانقسام، وفضاء يمكن أن تنشأ فيه أشكال أولية من التعايش. لذلك، دعم المدارس في سياقات النزاع ليس مجرد دعم للقطاع الاجتماعي، بل حماية لآخر مساحة مدنية مشتركة لم تُقصف بالكامل.
في هذا الإطار، تكتسب البيانات بعدًا يتجاوز كونها أدوات لتقارير الإدارة. الأرقام التي تكشف ملايين الأطفال خارج المدرسة، وآلاف المدارس المتضررة، ومئات الآلاف من المعلمين بلا رواتب هي في جوهرها لوائح اتهام أخلاقية وسياسية. استخدام هذه البيانات للامتثال الإداري فقط يفرغها من قوتها. أما استخدامها لإعادة ترتيب أولويات التمويل والسياسات فيحوّلها إلى أداة مساءلة عالمية.
حتى عندما يبقى الأطفال في المدرسة، يظل السؤال: ماذا يتعلمون؟ التعليم الذي لا ينمي التفكير النقدي، ومهارات الحوار، وفهم التنوع، قد يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الهشاشة نفسها. التعليم الذي يكتفي بالحفظ والطاعة في سياقات الاستقطاب قد يساهم في إدارة الهشاشة بدلاً من تجاوزها. لذلك، التمويل الذي يركز على الوصول فقط لا يكفي؛ بل يجب دعم جودة التعلم ومحتواه.
هنا يظهر الفرق الحاسم بين تمويل “البقاء” وتمويل “القدرة على التغيير”. الأول يسأل: كم عدد الأطفال الذين عادوا إلى المدرسة؟ الثاني يسأل: هل سيكون لدى هؤلاء الأطفال القدرة على بناء اقتصاد، ومؤسسات، ومجتمع أقل عنفًا في المستقبل؟ التحول المطلوب هو من منطق الحفاظ على الحد الأدنى إلى منطق الحفاظ على إمكانية التحول الإيجابي طويل المدى.
هذا التحول يعيد تعريف دور العمل الخيري نفسه. عندما توجّه المؤسسات الخيرية موارد ضخمة نحو التعليم في النزاعات بشكل مستدام، فهي لا تقدم المساعدة الإنسانية فحسب، بل تساهم في إعادة تشكيل جدول الأعمال العالمي. يصبح منع انهيار رأس المال البشري أولوية لا تقل عن الأمن أو الاستقرار المالي. هنا يتحول العمل الخيري من تعبير عن التعاطف إلى فاعل في السياسة العالمية، يعيد توجيه الانتباه والموارد.
تمويل التعليم في اليمن لا يمكن فهمه مجرد فعل تضامن. الحرمان التعليمي الواسع يرتبط بالهشاشة الاقتصادية، والهجرة القسرية، ودورات العنف الممتدة. الاستثمار في التعليم يساهم في تقليل هذه المخاطر، ما يجعله استثمارًا وقائيًا في الاستقرار الإقليمي والعالمي.
من بين عناصر هذا الاستثمار، تبرز المناهج الدراسية كعنصر لا يقل أهمية عن البنية التحتية أو المساعدات المباشرة. بينما تنقذ المساعدات الغذائية الحاضر، تشكل المناهج الطريقة التي يفهم بها الأطفال ماضيهم وحاضرهم والآخرين من حولهم. محتوى التعليم يمكن أن يغذي الانقسام أو يدعم التعايش. لذلك، الاستثمار في محتوى التعليم هو استثمار في شكل المجتمع المستقبلي.
وأخيرًا، إنقاذ جيل لا يعني مجرد إبقائه على قيد الحياة أو داخل أسوار المدرسة. الإنقاذ الحقيقي يعني إبقاء مستقبله ممكنًا: أن يظل أمامه مجال للاختيار، والعمل الكريم، والمشاركة المدنية. عندما يفقد التعليم هذه الوظيفة، يتحول إلى إدارة مؤقتة للضياع بدل من منعه.
لهذا كله، لا ينبغي النظر إلى التعليم في سياقات النزاع كخدمة اجتماعية يمكن تأجيلها أو تقليصها عند الأزمات. إنه في جوهره بنية تحتية للاستقرار العالمي. كما أن الطرق والموانئ ضرورية للاقتصاد، يُعد التعليم ضروريًا لبقاء المجتمعات قادرة على التنظيم الذاتي السلمي. دعم التعليم في اليمن، وفي سياقات مشابهة، هو في النهاية استثمار في هندسة السلام العالمي—ليس فقط من خلال المؤتمرات والاتفاقيات، بل من خلال الفصول الدراسية التي ما زالت، رغم كل شيء، تحمل فكرة المستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى