تقارير وتحقيقات

فايننشال تايمز:معركة مضيق هرمز لن تكون مجرد فصل عابر في حرب ترمب مع إيران

يرى جدعون راشمان في صحيفة فايننشال تايمز أن معركة مضيق هرمز لن تكون مجرد فصل عابر في حرب ترمب مع إيران، بل المحطة التي ستطبع ما تبقى من ولايته. ويذهب راشمان إلى أن الرئيس الأميركي لم يعد يملك ترف إعلان النصر ثم الانسحاب من المشهد، لأن هذا الممر البحري الحيوي بات عقدة مركزية في الحرب نفسها. ومن ثم، فإن المواجهة مع إيران، ومسألة هرمز على وجه الخصوص، لن تحدد فقط ملامح ما تبقى من رئاسة ترمب، بل قد تمتد آثارها لتثقل كاهل من سيخلفونه في البيت الأبيض.
ويعزو راشمان ذلك إلى أن إغلاق المضيق لا يفتح باب أزمة آنية فحسب، بل يرسخ أيضًا معضلة استراتيجية بعيدة المدى. فكل يوم يبقى فيه هرمز خارج التدفق الطبيعي للملاحة يرفع احتمالات انزلاق الاقتصاد العالمي نحو ركود واسع. أما الخطر الأعمق، فيكمن في أن إيران أدركت الآن، بوضوح غير مسبوق، أن قبضتها على هذا الشريان البحري تمنحها نفوذًا خانقًا على الاقتصاد الدولي؛ وحتى إذا أرخت هذه القبضة مؤقتًا، فإنها باتت تعرف أنها قادرة على إحكامها من جديد كلما شاءت وفي التوقيت الذي تختاره.
ويشير راشمان إلى أن صعوبات إعادة فتح المضيق باتت واضحة للغاية بالفعل. فإيران، من وجهة نظره، لا تحتاج إلى إغراق أو تعطيل كل ناقلة تحاول المرور عبره، إذ إن موجة الهجمات التي نُفذت بالفعل، إلى جانب التهديد بشن هجمات جديدة، كانت كافية لإقناع مالكي السفن والأطقم وشركات التأمين بالابتعاد عنه.
ويشير راشمان إلى أن القصف المكثف للبنية التحتية العسكرية الإيرانية، أو حتى سيناريو احتلال جزيرة خرج الحيوية لصادرات النفط الإيرانية، لا يقدم حلًا مباشرًا لمعضلة هرمز. فإيران، في نظره، لا تزال تحتفظ بطيف واسع من أدوات التهديد القادرة على إبقاء الملاحة تحت الضغط، من الألغام البحرية والصواريخ إلى الزوارق المفخخة والطائرات المسيّرة، فضلًا عن خبرة متراكمة في هذا النوع من الحروب غير التقليدية، أثبتت فاعليتها في ساحات أخرى مثل الحرب في أوكرانيا.
ويضيف أن ترمب، في سعيه إلى كسر القبضة الإيرانية على المضيق، يطالب حلفاء واشنطن بإشراك قواتهم البحرية، بل يمد النداء إلى بكين أيضًا. غير أن راشمان يرى أن هذا الرهان يصطدم بواقع سياسي وعسكري معقد: فالدول المعنية، رغم مصلحتها الواضحة في إعادة فتح المضيق، لن تتعجل المجازفة بقواتها من أجل أزمة لم تصنعها، خصوصًا بعد ما استنزفته إدارة ترمب من رصيد الثقة مع حلفائها الأوروبيين، ولأن أي وجود بحري في هرمز سيبقى عرضة لهجمات إيرانية قد تطيل أمد العملية لأشهر. وحتى الخيار البري، إذا كان مطروحًا في الحسابات الأميركية، لن يكون أقل كلفة أو أكثر ضمانًا، بل قد يفضي إلى خسائر أكبر من دون أن يكفل تحقيق الهدف المحدود المتمثل في تأمين الممر.
لكن الخطر الأعمق، في تقدير راشمان، يكمن فيما بعد الأزمة الآنية: فاغتيال قادة إيران ورفع شعار تغيير النظام أعادا تشكيل حسابات طهران على نحو جذري، ودفعاها إلى التعامل مع المواجهة باعتبارها صراعًا وجوديًا. ومن هنا، لم يعد إغلاق هرمز مجرد ورقة ضغط طارئة، بل تحول إلى أداة ردع استراتيجية قد تحتفظ بها إيران حتى لو أعادت فتح المضيق مرحليًا. وبهذا المعنى، فإن الولايات المتحدة وجيران إيران الخليجيين يواجهون معضلة ممتدة بين التعايش مع نظام متشدد أو المضي نحو تصعيد أوسع بكل ما يحمله من أخطار. ويخلص راشمان إلى أن طهران، رغم الضربات العنيفة التي تتعرض لها، قد تكون نجحت في اكتشاف وسيلة ردع مستقبلية شديدة الفاعلية، مستقلة عن السلاح النووي، وقد تخرج بفضلها من الحرب في موقع دولي أكثر قوة إذا بقي النظام قائمًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى