
لم تعد عمليات الاغتيال التي تستهدف قيادات إيرانية وحلفاءها مجرد أحداث استثنائية يمكن تفسيرها بنجاح استخباراتي عابر، بل تحولت إلى نمط متكرر يستدعي قراءة مغايرة. السؤال الجوهري اليوم ليس “كيف حدث الاختراق؟”، بل: هل ما نشهده اختراقاً محدوداً أم انكشافاً بنيوياً عميقاً؟
في المنطق الأمني، الاختراق يعني وصولاً جزئياً إلى معلومات أو أهداف محددة، وعادة ما يكون محدود الزمن والتأثير. أما الانكشاف فيشير إلى حالة أعمق، حيث تصبح البنية الأمنية بكاملها قابلة للرصد والتتبع، وكأنها تعمل في منطقة مكشوفة.
ما يحدث حالياً لا يشبه اختراقات متفرقة، بل يكشف عن قدرة منهجية على الوصول إلى أهداف حساسة، تتكرر بنفس الكفاءة رغم تغير الأهداف والظروف.
اذا قارنها مع حالات أخرى تكشف عن فروق مهمة:
في العراق، ورغم الضغط الاستخباراتي الهائل على نظام صدام حسين، لم تتمكن القوى المعادية من اغتيال قيادات الصف الأول إلا بعد الانهيار الكامل للدولة مع الاجتياح العسكري.
في قطاع غزة، وبرغم الحصار والتضييق والإمكانيات المحدودة، استطاعت البنية التنظيمية لحركات المقاومة تعقيد مهام الاستهداف، عبر التمويه والاندماج في النسيج المدني، مما حال دون تحويل الاغتيالات إلى “نمط سهل”.
هذه المقارنات تشير إلى أن “المنعة الأمنية” لا ترتبط فقط بقدرات الطرف المستهدف، بل أيضاً بطبيعة التنظيم وثقافته الأمنية الداخلية. تكرار الاستهداف بدقة في إيران وحزب الله والحشد يوحي بخلل أعمق من مجرد نجاح استخباراتي مؤقت.
ومع التطور المتسارع في أدوات التحليل، كما هو الحال في تقنيات OpenAI وGoogle DeepMind، بات ممكناً:
لكن التمييز ضروري هنا: الذكاء الاصطناعي لا يحدث الاختراق، بل يستثمره. أي عملية اغتيال دقيقة تحتاج إلى ثلاث طبقات:
1. معلومة أولية (غالباً مصدر بشري)
2. رصد تقني يؤكد المعلومة
3. تحليل ذكي يحول البيانات إلى هدف قابل للضرب
بالتالي، التكنولوجيا تفسر “الدقة”، لكنها لا تفسر كيف تم “الوصول” إلى المعلومة الأساسية أصلاً.
عندما نصل إلى هذا المستوى من التكرار والدقة، يصبح المشهد محكوماً باحتمالين رئيسيين، قد يتداخلان:
الاحتمال الأول: خلل داخلي أو اختراق في الصفوف العليا
حيث تتسرب المعلومات من الدائرة الضيقة المحيطة بالقيادات، مما يتيح تحديد الأهداف وتوقيت تحركاتها بسهولة.
الاحتمال الثاني: تفكك بنيوي في المنظومة الأمنية
يجعل المؤسسة بأكملها قابلة للرصد، حتى من دون وجود خيانة مباشرة، نتيجة تراكم الأخطاء الإجرائية، أو ضعف ثقافة الأمن المعلوماتي، أو اعتماد وسائل اتصال غير آمنة.
احتمال ثالث محتمل يدور في ذهني: أن الطرف المنفذ طوّر قدرات تكتيكية وتقنية متقدمة تسمح بالوصول دون اختراق بشري عميق، عبر عمليات سيبرانية تخترق أنظمة الاتصالات، أو طائرات مسيرة تعتمد على استخبارات الإشارة. لكن هذا لا يلغي الحاجة إلى معلومات أولية دقيقة.
في كل هذه الاحتمالات، النتيجة واحدة: تحول القيادات من “أهداف صعبة” إلى “أهداف قابلة للتحديد”.
الأخطر من الخسائر البشرية هو التأثير المعنوي والاستراتيجي.
عندما تصبح القيادات قابلة للتصفية بهذه السهولة، تصل رسالة للقواعد والجمهور بأن الحماية غير مضمونة. وهذا يؤثر على الروح المعنوية والثقة في القيادة، وقد يكون هذا هو الهدف الأعمق: ليس فقط إزالة أفراد، بل زعزعة الثقة في المنظومة بأكملها.
ما نشهده ليس مجرد تفوق استخباراتي خارجي، بل مؤشر على خلل داخلي عميق. الاغتيال الدقيق لا يحدث فقط حين يكون العدو قوياً، بل حين تصبح البيئة المستهدفة قابلة للاختراق… أو مكشوفة بالفعل. التكنولوجيا الحديثة تضاعف الدقة، لكنها لا تخلق الاختراق من العدم. الاستمرار في تكرار العمليات بنفس الكفاءة يوحي بأن المشكلة بنيوية، وليست مجرد نجاحات عابرة.