
وصيّة طائرٍ كفر بالخرائط
خلف طائرٍ مهاجر،
أمشي.
كما ظلّ خلف فكرةٍ،
كجرحٍ مفتوحٍ في جسد الغيم،
أراه يعبر السماء.
وأتساءل:
أيُّ منفىً يسكن جناحيه
حتى يكتب الطريقَ بهذا الإصرار؟
أيّها الطائر
يا ساعي البريد بين الرياح والجهات،
كيف تحفظ قلبك
وأنت تنام كلّ ليلةٍ
في حضنِ سماءٍ لا تعرف اسمك؟
أنا مثلك… أجنحتي أفكار،
واغترابي طرقٌ داخل رأسي.
ها نحن نمضي
كأن الأرض مجرّدُ شائعةٍ..
ترويها الخرائط.
يا أنا،
يا من يحمل وطنه في اتجاه الريح،
هل تعرف
أنّ المدن التي نتركها،
تظلّ تمشي خلفنا
مثل ظلالٍ لا تجد جداراً؟
وأنّنا نتعلم عند فراقها،
لغة التحليق فوق الفراغ.
قل لي صديقي المهاجر:
أيغدو الطريق وطناً مؤقّتاً؟
أراك تختفي بعيداً
نقطةً صغيرة
تذوب في ضوء المساء،
ويبقى شيء منك عالقاً في روحي.
كأنّما ريشةٍ نسيها الهواء.
أمشي في صدري كما تمشي في سماءٍ ضيقة،
أختبر الجهات،
وأصغي إلى الريح،
علّها تعلّمني،
كيف يحمل الكائن قلبه خفيفاً وهو يعبر كلّ هذا العالم،
ولا يسقط.
لكن قبل أن تغيب،
كأنّك التفتّ نحوي لحظةً،
كأنك تعرف اسمي القديم.
رفرفتَ مرةً واحدة
فارتجف الهواء في صدري،
وسقطت من رأسي كلُّ الخرائط التي صدّقتُها.
عندها فهمتُ فجأةً
أنّك لم تكن تبحث عن وطن،
وأنّ الرحلة لم تكن في السماء.
كنتَ ــ أيها الطائر ــ
تدلّني فقط
على طريقي الأصعب:
أن أفتح قفص الخوف في صدري،
وأجرّ روحي من معبد الطاعة القديمة،
وأتعلم الطيران أخيراً
نحو الخروج من عباءة الوثن.