
( تظهر زهرة وحدها على المسرح
في ضوء خافت ينبعث من شمعة واحدة
معلقة فوق كرسي خشبي عتيق
ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً نقياً
شعرها منسدل كشلال الليل
عيناها مفتوحتان على الفراغ كأنها تحاور القدر نفسه
تبدأ بصوت هادئ مهيب
ثم يتصاعد تدريجياً كأن الضحكة تولد من أعماق الروح )
أنا زهرة ، أنا التي طالما ظننت أن الحياة
لا تضحك إلا سخرية قاسية ومُرة
كنت أجول في شوارع المدينة
حاملة قلبي كصخرة ثقيلة تثقل كاهلي
أعد الخطوات كأنها أياماً تُنقص من عمري المُثقل بالأشواك
كل يوم يشبه سابقه :
القهوة المرة والنظرة الخاوية في المرآة
والسؤال الذي يتردد في الفراغ بلا جواب :
لماذا أنا هنا؟ لماذا أتنفس هذا الهواء
الذي يضيق علي أحياناً كأنه يريد خنقي؟
كنت أرى الوجود لعبة قاسية من القدر
يلقيها في وجوهنا ثم يضحك
ليس معنا ، بل علينا ، ضحكاً يشبه الاستهزاء الأبدي
ثم جاءت تلك اللحظة ، لحظة بسيطة
لا تشبه اللحظات العظيمة في الملاحم
لم يكن فيها أنغام السمفونيات
ولا أضواء براقة تعمي العيون
كانت مجرد نظرة ، نظرة من عينيه إلي
نظرة عابرة كالنسيم الدافئ في ليلة شتوية قارسة
كان هو ، حبيبي ، ذلك الكائن
الذي جاء إليّ كرسول من عالم آخر
من قال لي ذات يوم بصوته الهادئ العميق
الذي يحمل في طياته كل أسرار الكون :
‘ عندما تضحكين ، فإن الحياة تضحك لي
لأن ضحكتكِ ليست ضحكة امرأة فحسب
بل هي الصدى الأبدي لروح الكون نفسه
الذي يبحث عن نفسه في مرآة حبنا ‘
لم أفهم حينها عمق كلماته
كنت أظنها مجرد كلمات رومانسية عابرة
لكن في تلك اللحظة ، عندما التقت عيناه بعيني
انبثقت الضحكة من قرارة نفسي
من مكان كنت أظنه ميتاً منذ زمن بعيد
مدفوناً تحت رماد اليأس
كانت ضحكة صغيرة أول الأمر
خجولة كأنها تخشى أن تُسمع
ثم نمت وكبرت حتى ملأت صدري
ثم حلقت في الهواء حولي كفراشات من نور
في تلك النظرة ، أدركت أن الحب الحقيقي
ليس مجرد شعور ، بل هو الجسر الفلسفي
بين الوجود المحدود والكون اللانهائي
هو اللحظة التي يصبح فيها الآخر مرآة الإلهية
فيعيد للروح إيمانها بأن الضحك هو أسمى أشكال الوجود
في تلك الضحكة البسيطة ، اكتشفت سر الحياة العظيم
ليس السر في المجد والثروة والشهرة
التي يسعى إليها البشر ، كلا
السر في أن الحياة
هذه الكائنة الغامضة التي نلعنها كل يوم
تختار أحياناً أن تضحك لنا ، لنا نحن ، لا علينا
تفتح فمها الواسع وتضحك معنا ، من خلالنا
من خلال شفاهنا نحن
شفاهي أنا ، أنا التي كنت أظن أنها لا تستحق إلا القبلات
الجافة والكلمات المُرة التي تشبه السم
وكان حبيبي هو الذي أيقظ هذا السر فيني
فهو الذي رأى في ضحكتي انعكاساً للكون كله
كأنه يقول لي : ‘ أنتِ لستِ مجرد وجود عابر
بل أنتِ الدليل الحي على أن الحب
يجعل الحياة تبتسم لنفسها من خلالنا ‘
تخيلوا معي ، أيها السادة
هذا الجسد الذي نحمله كعبء ثقيل
هذا الجسد الذي يتقدم في السن
يتآكل ويئن تحت وطأة الألم
فجأة يتحول إلى أداة للمعجزة الإلهية
شفاهي ، هاتان الشفتان الرقيقتان اللتان
ذاقتا الدموع أكثر مما ذاقتا العسل
تحولتا إلى بوابة بين العدم والكون
بين اليأس والأمل ، بين الموت الذي يتربص بنا
وبين الحياة التي ترفض أن تموت
وكان حبيبي هو الذي منحني هذه البوابة
فمن خلال كلماته العميقة أدركت أن الحب الرومانسي الحقيقي
هو ذلك الذي يعيد التوازن الفلسفي للكون
هو يُذيب الحدود بين ‘ أنا ‘ و ‘ أنت ‘
فيصبح الاثنان واحداً مع ضحك الحياة الأبدي
أسألكِ الآن ، أيتها الحياة ، أيتها الإلهة المتعالية
لماذا انتظرتِ كل هذه السنين الطويلة؟
لماذا تركتني أحرث في تراب قلبي بحثاً عن معنى
ثم جئتِ في لحظة واحدة من خلال ضحكة بسيطة؟
هل كنتِ تختبرين صبري؟
أم كنتِ تنتظرين أن أصبح جاهزة لأستقبلكِ؟
الآن أعرف . كنت أبحث عنكِ في الأماكن الخاطئة
في الكتب وفي الأحلام الضالة
في أذرع الرجال الذين لم يفهموني
وكنتِ أنتِ داخلي طوال الوقت
تنتظرين أن أفتح فمي وأضحك
تماماً كما قال لي حبيبي ذات يوم
كان هو الذي أعد روحي لهذه اللحظة
فهو الذي علمني أن الحب ليس مجرد عاطفة
بل هو الفعل الفلسفي الأسمى
هو الذي يُعيد للإنسان إيمانه بأن الكون يحبه
وأن الضحك هو اللغة السرية
التي يتكلم بها الوجود مع نفسه
إن الرومانسية الحقيقية ليست في العناق الجسدي فحسب
الرومانسية هي أن تدركي أنكِ محبوبة من الكون نفسه
أن الحياة تشتهيكِ ، تشتهي ضحكتكِ
تشتهي أن ترى وجهكِ يتفتح كزهرة في الصباح الباكر
( تجلس على الأرض فجأة )
عندما ضحكت شفاهي
شعرت أن كل النجوم في السماء انحنت لتقبل جبيني
وأن الزمن نفسه توقف لحظة وقال :
‘ انظري هذه هي . هذه هي اللحظة التي صنعت من أجلها
كل هذا الخراب والجمال المتعالي ‘
وكان حبيبي هو الذي جعلني أرى هذا كله بوضوح
فالحب عنده ليس مجرد شعور بشري
بل هو الرومانسية الكونية التي توحد بين الروح والمطلق
بين اللحظة العابرة والأبدية
( تقف فجأة كما جلست فجأة )
لا أعدكِ بالسعادة الأبدية ، فالحياة لا تعطي وعوداً
هي تضحك ثم تسكت ، تضحك ثم تبكي
لكن في اللحظة التي تضحك فيها لكِ
تصبح كل الدموع التي سالت قبلها تستحق العناء
وتصبح كل الليالي الطويلة التي قضيتها وحيدة
مجرد مقدمة جليلة لهذه الضحكة
الآن أعرف أن الحب الحقيقي
ليس أن يحبكِ إنسان آخر فحسب
بل أن تحبي نفسكِ بما يكفي لتسمحي للحياة
أن تضحك من خلالكِ كما ضحكت لأجله ولأجلي
( تضع يدها على خدها ، تهدهده كأم تدلل صغيرها )
يا شفاهي ، أيتها الشفاه الغالية!
أنتِ لستِ مجرد لحم ودم
أنتِ لغة سامية ، أنتِ موسيقى إلهية
أنتِ الدليل الحي على أن الوجود ليس عبثاً
عندما تضحكين ، يضحك الكون معكِ
وعندما يضحك الكون معكِ
يصبح العالم مكاناً يستحق أن نعيش فيه
رغم كل جراحه وآلامه
وكان حبيبي هو الشاهد الأبدي على هذه الحقيقة
( تصمت قليلاً ، تمسح دمعة من خدها ببطء ووقار
ثم تبتسم ابتسامة واسعة
وتخرج ضحكة خفيفة كأنها تكمل الكلام )
الآن أنا هنا ، أنا التي كنت أبكي في الظلام
أنا التي كنت أصرخ في الفراغ
أنا التي كنت أظن أن لا أحد يسمع
أنا الآن أضحك والحياة تضحك معي
ضحكة شفاهي هي الإجابة على كل الأسئلة
التي لم أجد لها جواباً من قبل
( تنحني قليلاً نحو الجمهور ، عيناها تلمعان بنور داخلي )
فإذا سألتموني يوماً : متى عرفتِ أن الحياة تضحك لكِ؟
سأجيبكم بكل بساطة جليلة
عندما ضحكت شفاهي
وعرفت أنني لست وحدي أبداً في هذا الكون
لأن حبيبي علمني أن ضحكتي هي ضحك الحياة له
وأن حبنا هو السر الفلسفي الذي يجعل الكون
يبتسم إلى نفسه من خلالنا إلى الأبد
( الضوء يخفت تدريجياً على وجهها
وتبقى الضحكة الخفيفة معلقة في الهواء كأنها
لا تنتهي ، كصدى أبدي )
ستار