كتاب وشعراء

المهاجر…..قصه قصيره بقلم عبد الجليل بوقاسة الجزائري

كان الصباحُ باهتًا كوجه المدينة التي لم تعد تُشبه أهلها. خرج “ يوسف” من بيته الضيّق، يحمل في قلبه ثِقَلًا لا يُرى، لكنه كان كافيًا ليُبطئ خطواته. الشوارع التي اعتادها منذ طفولته بدت غريبة، كأنها تخلّت عنه قبل أن يُفكّر هو في الرحيل.

كان يعمل في دكّان صغير لبيع المواد الغذائية، يفتح الباب كل صباح، يحيّي الزبائن بابتسامةٍ خفيفة، ويغلقه مساءً وهو يشعر أن يومًا آخر قد مرّ دون أن يقترب من حلمه. لم يكن يطمح إلى الكثير، فقط حياةٌ كريمة، بيتٌ واسع قليلًا، وراحةٌ في عيني والدته التي أرهقها الانتظار.

كانت أمه تراقبه بصمت، لم تسأله يومًا عن سرّ شروده، لكنها كانت تعرف، كانت ترى ذلك البريق الحزين في عينيه، بريق من يريد الرحيل لكنه يخاف أن يجرح من يحب.

وفي إحدى الليالي، حين جلس بجانبها، قالت بهدوء: “يا بني… لا أحد يهرب من أرضه إلا إذا ضاقت به، لكن تذكّر… الغربة ليست سهلة.”

لم يُجب ،اكتفى بأن قبّل يدها، وكأنّه يودّعها دون أن يقولها.

ممكن في الليلة التي قرر فيها الرحيل، لم يكن القمر مكتحمل حقيبة صغيرة، وضع فيها بعض الملابس، وصورة قديمة تجمعه بوالدته، ورسالةً كتبها ولم يُكملها.

وصل إلى الميناء، فوجد عشرات الشباب مثله. وجوهٌ مختلفة، لكن الحلم واحد: عبور البحر نحو حياةٍ أخرى. كان الصمت يخيّم عليهم، كأنهم يعرفون أن الكلمات لن تُغيّر شيئًا.

ركبوا القارب كان صغيرًا، بالكاد يتّسع لهم. جلس يوسف في زاوية، يحدّق في الماء الأسود، حين تحرّك القارب، شعر بشيء ينكسر داخله، كأنّه ترك جزءًا من روحه خلفه.

في البداية، كان البحر هادئًا بعضهم بدأ يتحدّث عن أحلامه: العمل، المال، البيت، الزواج.

كانوا يرسمون مستقبلًا لم يولد بعد لكن فجأة، تغيّر كل شيء.

هبت الرياح، وارتفعت الأمواج. صار القارب يتمايل بعنف، وبدأ الخوف يتسرّب إلى القلوب. صرخ أحدهم، وتمسّك آخر بالحافة، بينما غمر الماء أقدامهم.

أخرج يوسف صورة والدته، وضغط عليها بقوة. لم يفكّر في المال، ولا في الحلم… فقط في وجهها. قال في نفسه:

“لا أريد أن أموت هنا… ليس قبل أن أعود إليها.”

مرت لحظات ثقيلة، حتى ظنّ الجميع أنها النهاية. لكن البحر، كعادته، لا يمنح إجابات، فقط يُؤجّل المصير.

مع بزوغ الفجر، هدأت الأمواج. كان التعب قد أنهك الجميع. بعضهم نام من شدّة الإرهاق، وبعضهم ظلّ مستيقظًا، خائفًا من أن يعود البحر إلى غضبه.

وفجأة، أشار أحدهم بيده: “انظروا… هناك!”

كان ضوءٌ خافت في الأفق. لم يكن واضحًا، لكنه كان كافيًا ليُشعل الأمل من جديد. اقتربوا شيئًا فشيئًا، حتى ظهرت اليابسة.

حين نزل سليم من القارب، لم يصرخ فرحًا، ولم يقفز كما فعل البعض. وقف صامتًا، ينظر إلى الأرض التي وصل إليها. شعر بشيء غريب… ليس الفرح، بل المسؤولية.

أدرك أن الرحلة الحقيقية لم تبدأ بعد.

مرت الأيام، وبدأ يوسف يبحث عن عمل ، اصطدم بواقعٍ قاسٍ: لغةٌ لا يفهمها، وجوهٌ لا تعرفه، ووحدةٌ تزداد كل يوم.

كان يعمل لساعات طويلة، في أعمالٍ لم يكن يتخيّل نفسه فيها، فقط ليبقى.

في الليل، كان يجلس في غرفته الصغيرة، يُحدّق في صورة والدته يشتاق لصوتها، لخبزها، لدفء البيت الذي كان يظنه بسيطًا… حتى فقده.

كتب لها رسالة:

“أمي… وصلت بخير. لا تقلقي الطريق لم يكن سهلًا، لكنه لم يهزمني. هنا كل شيء مختلف، لكني أحاول. أعدك أنني سأجعل تعبك فخرًا، وسأعود يومًا، لا كغريب، بل كابنك الذي نجح.”

لكنه لم يخبرها عن الوحدة، ولا عن الخوف، ولا عن الليالي التي بكى فيها بصمت.

مرت سنوات. تغيّر يوسف صار أقوى، لكن في داخله ظلّ ذلك الشاب الذي جلس يومًا على حافة الميناء ،خمم نجح في عمله، وادّخر المال، وبدأ يشعر أنه يقترب من حلمه.

وفي يومٍ ما، وقف أمام البحر مرةً أخرى. لكن هذه المرة، لم يكن خائفًا كان ينظر إليه كصديقٍ قديم، يعرف قسوته كما يعرف رحمته.

ابتسم وقال: “لم تأخذني… بل علّمتني.”

حمل حقيبته، لكن هذه المرة لم يكن مهاجرًا… بل عائدًا.

وحين وصل إلى بيته، وفتحت أمه الباب، لم تقل شيئًا فقط احتضنته طويلًا، وكأنها تُعيد إليه كل ما فقده.

في تلك اللحظة، فهم يوسف أن الوطن ليس مكانًا فقط… بل قلبٌ ينتظرك مهما ابتعدت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى