تاريخ العرب

المهلب بن أبي صفرة: الاستراتيجية العسكرية السنية في اجتثاث شوكة الأزارقة

بين مطرقة الخوارج وسندان الدولة
في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، لم تكن دولة الإسلام الفتية تواجه خطراً خارجياً كالروم أو الترك فحسب، بل كان الخطر الأكبر يأتي من الداخل. كان خروج “الأزارقة” – أشد فرق الخوارج بأساً وتكفيراً – أشبه بزلزال ضرب هيبة الخلافة الأموية في العراق وفارس والأهواز.
في هذه اللحظة الفارقة، برز رجل من صميم المدرسة السنية العسكرية، عُرف بالدهاء والصبر الطويل، إنه أبو سعيد المهلب بن أبي صفرة الأزدي. لم يكن مجرد قائد يقاتل بالسيف، بل كان استراتيجياً فذاً فهم أن اجتثاث شوكة الخوارج لا يكون بمعركة فاصلة واحدة، بل بحرب استنزاف طويلة النفس، تحفظ دماء أهل السنة، وتستنزف حماسة الخارجين حتى تذبل وتنكسر.
الفصل الأول: الطاعون الأسود.. من هم الأزارقة؟
قبل أن نفهم عبقرية المهلب، يجب أن نفهم طبيعة العدو. الأزارقة هم أتباع نافع بن الأزرق، وقد خرجوا على المسلمين في زمن عبد الله بن الزبير وبني أمية. لم تكن بدعتهم في الخروج بالسيف فقط، بل في الاستحلال المطلق.
يذكر الحافظ ابن كثير في “البداية والنهاية” (ج 8 / ص 620) وصفاً دقيقاً لعقيدتهم القتالية التي جعلت قتالهم مختلفاً عن قتال الروم:
“استحلوا قتل النساء والولدان من المخالفين، وقتلوا الأطفال، وبقروا بطون الحبالى، ورأوا أن دار مخالفيهم دار كفر حرب، لا يجوز فيها إلا السيف.”
لقد ملؤوا الطرق بين البصرة والأهواز وجبال كرمان بالرعب. كانوا مقاتلين من الطراز النادر، يطلبون الموت كما يطلب غيرهم الحياة، مؤمنين بأنهم على الحق المطلق. جيوش البصرة والكوفة التقليدية التي اعتادت الغزو والغنيمة انهزمت أمامهم مراراً لأنها كانت تقاتل من أجل الدنيا أو السياسة، بينما كان الأزارقة يقاتلون من أجل “الجنة” في زعمهم.
الفصل الثاني: لماذا المهلب؟ “ذاك فتى العربي الناهض”
بعد هزائم متتالية لحقت بجيوش والي البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي (القباع) وولاة ابن الزبير، ضجّ الناس في مسجد البصرة. كان الخوف قد تسرب إلى القلوب.
يروي لنا الطبري في “تاريخ الرسل والملوك” (ج 6 / ص 175) أن الناس رفعوا أصواتهم في وجه ابن الزبير قائلين:
“لا طاقة لنا بهذا الحي من الأزارقة، إلا برجل قد جربناه وعرفناه.. إن هذا الأمر لا يصلح إلا للمهلب.”
وكان المهلب آنذاك منحازاً لابن الزبير ضد الأمويين، لكنه كان فوق الصراع السياسي في نظر أهل السنة عندما تعلق الأمر بدفع الصائل الخارجي. وصفه المؤرخون بأنه “أبعد الناس من العجز، وأسرع الناس إلى حرب عدوّه”.
لقد اختير المهلب لأنه لم يكن متهوراً كغيره من القادة. لقد فهم سيكولوجية الأزارقة: شجاعتهم تولدت من يأسهم، وقوتهم تكمن في سرعتهم.
الفصل الثالث: الاستراتيجية .. حرب الأعصاب الطويلة
هنا يكمن جوهر الدراسة. خطة المهلب بن أبي صفرة التي دوّنتها كتب التاريخ السني لم تكن خطة قتال، بل خطة وجود.
1. سياسة “الكرّ والفرّ” العكسية (الصبر الاستراتيجي)
القادة السابقون كانوا يريدون لقاءً حاسماً سريعاً، فيلقون الهزيمة. أما المهلب فكان شعاره ما رواه ابن قتيبة الدينوري في “عيون الأخبار” (ج 1 / ص 123) على لسان المهلب:
“لا تلقوهم إلا وأنتم على مَهَل، فإنما هم كلاب النار، وإنما تقاتلونهم على الصبر، ولا خير فيمن لا صبر له.”
اتبع المهلب سياسة المطاولة. كان يختار أرض المعركة بعناية، فيقف عند “الأحواز” و”سوق الأهواز”، ويحفر الخنادق خلفه وأمامه، ويمنع جيشه من المبادرة بالقتال إلا عند الضرورة القصوى. كان يقول لمن يستعجلونه: “إني أعالج حرباً كلما قُتل منهم رجل خلفه رجل، وإنما يقتلوننا ولا نقتلهم.”
2. تكتيك “حماية البيضة” (الأمن المجتمعي)
في المذهب العسكري السني، حفظ النفس المسلمة مقدم على المغامرة بالنصر. لاحظ المهلب أن الرعب الأكبر كان في المدن (البصرة) بسبب سطو الأزارقة على القرى. لذلك، استخدم نظام الاستطلاع المتقدم (العيون) بشكل لم يسبق إليه.
يذكر الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (ج 4 / ص 185) أن المهلب كان ينشر الكمائن ليلاً ونهاراً في مضايق الجبال. كان يلزم جيشه بالانضباط التام في المسير، فلا يتقدم أحد ولا يتأخر، حتى لا تختطف سرايا الأزارقة مؤخرة الجيش.
3. القتال بـ “الكراديس” و “الخميس”
الأزارقة كانوا يهجمون كالسيل الجارف في صف واحد. المهلب أعاد تنظيم الجيش على هيئة “الكراديس” (كتائب صغيرة منفصلة متصلة)، وهو تكتيك سني استخدمه خالد بن الوليد من قبل. جعل في الميمنة والميسرة والقلب قوة تضرب وتنسحب، حتى إذا تبعهم الأزارقة ظناً منهم الانهزام، فاجأتهم كمائن المهلب من الخلف أو من بين الجبال.
4. استنزاف عقيدة التكفير بالحكمة
من الطرائف التي ترويها المصادر السنية دقة فهم المهلب لنفسية عدوه. روى أبو الفرج الأصفهاني في “الأغاني” (ج 20 / ص 78) في خبر طويل، أن المهلب أمسك بجاسوس أزرقي كان يرسل الأخبار، فلم يقتله بل أكرمه وأعطاه مالاً وقال له: “اذهب فأخبرهم أني أحبهم وأدعوهم إلى الجماعة، وإنما أقاتلهم لأنهم خرجوا على الإمام.”
كان يعلم أن استمالة العوام من الخوارج أسهل من قتلهم، مما كان يحدث شرخاً نفسياً في صفوفهم.
الفصل الرابع: معركة “دولاب” و “سلى وسلبرى”.. حسم الفتنة
بعد عشرين سنة من الكر والفر، وتحديداً بعد عودة السلطة للأمويين بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي، بلغت استراتيجية المهلب ذروتها. لم يعد الأزارقة ذلك السيل الجارف، بل صاروا جماعات متفرقة أنهكتهم حرب العصابات.
كان المشهد الأخير قرب كرمان في معركة عرفت بـ “سلى وسلبرى” عام 75هـ.
يروي ابن الأثير في “الكامل في التاريخ” (ج 3 / ص 351) تلك الليلة المهيبة:
“عبأ المهلب أصحابه، وجعل على الخيل ابنه يزيد، فلما تقارب الصفان، حمل الأزارقة حملة منكرة كسرت ميمنة المهلب، فصاح المهلب: يا معشر المسلمين، الله الله، أتفرون من كلاب النار! ثم كرّ بنفسه وضرب فيهم بسيفه حتى انكشفوا وولوا الأدبار، وقُتل أميرهم قطري بن الفجاءة في تلك النواحي.”
لقد تحقق النصر الساحق أخيراً، ولكن ليس بسيف القوة الغاشمة، بل بطول النفس وصحة العقيدة. لقد أثبت المهلب أن الجماعة السنية هي القادرة على امتصاص حمى الفتنة الداخلية دون أن تفقد رشدها.
الفصل الخامس: إرث المهلب في المدرسة السنية
عندما مات المهلب بن أبي صفرة، وقف الحجاج بن يوسف على قبره وقال كلمته الشهيرة التي نقلها ابن خلكان في “وفيات الأعيان” (ج 5 / ص 347):
“دفنتم من كان إذا طعن قدّ، وإذا ضرب بالسيف فلّ، وإذا سار كالليث، وإذا التقى الزحفان ثبت، ذاك أبو سعيد المهلب.”
لكن أهم ما خلفه المهلب هو العقيدة القتالية السنية في مواجهة البغي:
1. حرمة دم المسلم ولو كان باغياً قبل الاستتابة والإنذار.
2. تقديم الحكمة على الشجاعة في حرب الفتن.
3. عدم استباحة دماء النساء والأطفال كما يفعل الخوارج.
4. ضرورة لزوم الجماعة والإمام.
خاتمة
لقد كانت استراتيجية المهلب بن أبي صفرة بمثابة مشرط جراح ماهر، استأصل به الورم السرطاني للأزارقة دون أن يفتك بجسد الأمة. إن سيرته التي حفظها لنا ابن جرير الطبري، وابن الأثير، والذهبي، وابن كثير، ليست مجرد حكايات انتصارات، بل هي منهج متكامل في فقه الجهاد ودفع الصائل، يعلّم الأمة كيف تنتصر على فوضى التكفير بعزيمة الإيمان ورجاحة العقل السني.

ثبت المصادر المعتمدة من كتب أهل السنة والجماعة:
1. تاريخ الرسل والملوك – الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري.
2. الكامل في التاريخ – الإمام عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير الجزري.
3. البداية والنهاية – الإمام عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي.
4. سير أعلام النبلاء – الإمام شمس الدين الذهبي.
5. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان – ابن خلكان.
6. عيون الأخبار – ابن قتيبة الدينوري.
7. الأغاني – أبو الفرج الأصفهاني (لروايات أخبار المهلب).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى