تاريخ العرب

” السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي النجمي الألفي ” (١)

★ الصعود المتأني
كان ياما كان يا سادة يا كرام، تبدأ حكايتنا عن رجل سطر اسمه في صفحات التاريخ المملوكي بمداد من ذهب، وهو السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي النجمي الألفي ، الذي لقب بصاحب المنجنيقات، وكان واحداً من أعظم سلاطين الدولة المملوكية البحرية في مصر والشام، وأسس سلالة حكمت البلاد لفترة طويلة.
يعود أصله إلى بلاد القبجاق، وهي مناطق شاسعة في وسط آسيا، حيث ولد في حوالي عام ٦١٩ هـ / ١٢٢٢ م، وينتمي في نسبته إلى قبيلة برج أوغلي التركية، وقد امتاز منذ صغره بملامح القوة والهيبة التي جعلته محط الأنظار منذ لحظة دخوله إلى أسواق الرقيق في سن مبكرة من عمره.
تسمى “قلاوون” وهي كلمة باللغة التركية تعني “البطة” أو “ذكر البط”، وكان هذا النوع من الأسماء شائعاً عند الأتراك في ذلك الزمان، أما نسبة “الصالحي النجمي” فهي تعود إلى سيده الأول السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، الذي اشتراه وضمه إلى مماليكه الذين عرفوا بالمماليك البحرية نسبة لسكنهم في جزيرة الروضة بوسط النيل ،أما لقب “الألفي” الذي اشتهر به، فقد جاء من القيمة المالية الكبيرة التي دفعها السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب لشرائه، حيث اشتراه بمبلغ ١٠٠٠ دينار ذهبي، وهو مبلغ ضخم جداً في ذلك العصر لم يكن يدفع إلا في المماليك ذوي المهارات البدنية والعقلية الفائقة، مما جعل قلاوون يتمتع بمكانة خاصة منذ بداياته.
بدأ قلاوون حياته العسكرية في مصر ضمن مدرسة المماليك الصالحية، حيث تلقى تدريبات صارمة في فنون الفروسية والقتال واستخدام السيف والقوس، وذلك في معسكرات جزيرة الروضة بالقاهرة، وظهرت عليه علامات الذكاء العسكري والقدرة على القيادة منذ سنوات شبابه الأولى، مما جعله يترقى سريعاً في الرتب العسكرية.
عاصر قلاوون في بداياته أحداثاً جسيمة، منها الحملة الصليبية السابعة على مصر بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا في عام ٦٤٧ هـ / ١٢٤٩ م، وشهد وفاة سيده الملك الصالح نجم الدين أيوب في ليلة ١٥ شعبان ٦٤٧ هـ / ٢٣ نوفمبر ١٢٤٩ م، وهي اللحظة التي غيرت مجرى تاريخ مصر وصعدت بالمماليك إلى سدة الحكم.
شارك سيف الدين قلاوون في معركة المنصورة الشهيرة التي وقعت في أوائل عام ٦٤٨ هـ / ١٢٥٠ م، حيث أظهر شجاعة نادرة في التصدي للقوات الصليبية، وكان رفيقاً للقادة العظام مثل فارس الدين أقطاي الجمدار وركن الدين بيبرس البندقداري، وساهم بقوة في حماية الديار المصرية من الغزو الخارجي في تلك الفترة الحرجة.
بعد مقتل توران شاه في ٢٧ محرم ٦٤٨ هـ / ٢ مايو ١٢٥٠ م ونهاية الدولة الأيوبية فعلياً، بدأ دور قلاوون يبرز كأحد كبار الأمراء البحرية، وعاش فترة الاضطرابات التي تلت ذلك، بما في ذلك الصراع بين المماليك والسلطان المعز لدين الله أيبك، وهو الصراع الذي أدى في النهاية إلى خروج العديد من المماليك البحرية من مصر.
اضطر سيف الدين قلاوون للفرار إلى بلاد الشام في عام ٦٥٢ هـ / ١٢٥٤ م مع رفيقه ركن الدين بيبرس بعد مقتل زعيمهم فارس الدين أقطاي، وأمضوا هناك سنوات في خدمة الأمراء الأيوبيين، متنقلين بين الكرك ودمشق، ومكتسبين خبرات سياسية وميدانية واسعة في جغرافية بلاد الشام وتحصيناتها.
عاد قلاوون إلى مصر في عام ٦٥٨ هـ / ١٢٦٠ م تلبية لنداء السلطان سيف الدين قطز، الذي دعا المماليك البحرية للعودة من أجل توحيد الصفوف لمواجهة الخطر المغولي الزاحف، وشارك بفعالية في الاستعدادات لمعركة عين جالوت التاريخية التي وقعت في ٢٥ رمضان ٦٥٨ هـ / ٣ سبتمبر ١٢٦٠ م.
خلال معركة عين جالوت، كان قلاوون أحد القادة الميدانيين الذين ساهموا في كسر شوكة الجيش المغولي بقيادة كتبغا، وبعد النصر الكبير، حدث التحول السياسي بمقتل السلطان قطز وتولي ركن الدين بيبرس السلطنة، لتبدأ مرحلة جديدة من حياة قلاوون كأقوى أمير في الدولة الجديدة.
في عهد الظاهر بيبرس، نال قلاوون مكانة رفيعة جداً، وأصبح الصديق المقرب للسلطان والرجل الثاني في الدولة، وزادت الروابط بينهما عندما تزوج الملك السعيد محمد بركة خان ابن الظاهر بيبرس من ابنة قلاوون، الخاتون غازية، لتقوية أواصر التحالف السياسي والعسكري بين القائدين الكبيرين.
قاد سيف الدين قلاوون العديد من الحملات العسكرية ضد الصليبيين والمغول تحت راية الظاهر بيبرس، واكتسب خبرة هائلة في إدارة الحصار وفتح الحصون المنيعة، وظل وفياً لبيبرس طوال سبعة عشر عاماً من الحكم، حتى وافت المنية الظاهر بيبرس في ٢٩ محرم ٦٧٦ هـ / ١ يوليو ١٢٧٧ م في مدينة دمشق.
بعد وفاة بيبرس، تولى ابنه الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة خان السلطنة، وكان قلاوون هو المحرك الأساسي لشؤون الدولة بصفته كبيراً للأمراء، ولكن سرعان ما بدأت التوترات تظهر بين السلطان الشاب وبين الأمراء الصالحية الكبار وعلى رأسهم قلاوون، بسبب تدخل “الخاصكية” من مماليك السلطان الشاب في شؤون الحكم.
تفاقمت الأزمة عندما حاول الملك السعيد إقصاء الأمراء الكبار وتقريب مماليكه الأحداث، مما دفع الأمراء بقيادة سيف الدين قلاوون إلى التمرد في بلاد الشام أولاً ثم الزحف نحو القاهرة، وحاصروا القلعة مطالبين السلطان بعزل أعوانه الفاسدين وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.
انتهى النزاع بتنازل الملك السعيد محمد بركة خان عن العرش في شهر ربيع الآخر من عام ٦٧٨ هـ / أغسطس ١٢٧٩ م، ورحيله إلى مدينة الكرك، ورغم أن الأمراء عرضوا السلطنة على سيف الدين قلاوون في تلك اللحظة، إلا أنه بذكائه السياسي رفض المنصب علانية مفضلاً التريث حتى تهدأ الأجواء.
بدلاً من تولي الحكم مباشرة، اقترح قلاوون تعيين الأمير بدر الدين سلامش، وهو طفل صغير وشقيق الملك السعيد، سلطاناً على البلاد، وبالفعل تم إجلاسه على العرش في ٧ ربيع الآخر ٦٧٨ هـ / ١٨ أغسطس ١٢٧٩ م، ولقب بالملك العادل سلامش، وكان يبلغ من العمر حينها سبع سنوات فقط.
تم تعيين سيف الدين قلاوون في منصب “أتابك العساكر” ومدبراً للدولة، وأصبح هو الحاكم الفعلي للبلاد، حيث نُقش اسمه على العملة بجانب اسم السلطان الصبي، وذكر اسمه في الخطبة بعد اسم سلامش، وبدأ قلاوون في هذه الفترة بتثبيت أركان حكمه والتخلص من خصومه السياسيين تدريجياً.
خلال الأشهر القليلة من حكم الملك العادل سلامش، عمل قلاوون على استمالة قلوب العساكر والأمراء، وقام بتعيين المقربين منه في المناصب الحساسة في الدولة، وأظهر للجميع أنه الوحيد القادر على حماية البلاد من الأخطار الخارجية المتمثلة في التهديد المغولي المتجدد والوجود الصليبي المستمر.
شعر الأمراء المماليك أن وجود طفل في منصب السلطنة يضعف الدولة أمام الأعداء، فاجتمعوا في القلعة وقرروا خلع الملك العادل سلامش، وكان ذلك بتوجيه غير مباشر من قلاوون الذي أظهر في البداية تعففاً عن المنصب، لكنه قبل في النهاية تحت إلحاح الأمراء الذين رأوا فيه الرجل القوي المناسب للمرحلة.
تم خلع الملك العادل سلامش رسمياً في ٢١ رجب ٦٧٨ هـ / ٢٧ نوفمبر ١٢٧٩ م، وتم إرساله ليلحق بأخيه في الكرك، وفي نفس اليوم أعلن سيف الدين قلاوون سلطاناً على مصر والشام، وتلقب بالملك المنصور، لتبدأ بذلك واحدة من أزهى فترات التاريخ المملوكي وأكثرها استقراراً وبناءً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى