رؤي ومقالات

السفير معصوم مرزوق يكتب :نقش علي جدار مرحاض !

قد لا ننفرد بهذه الظاهرة ، ولكنها ذاعت لدينا وانتشرت ، ففي زمن المراحيض العامة كان من الملاحظ وجود نقوش عديدة علي جدرانها ، وكأنها نقوش علي جدران معبد فرعوني ، تسجل لحظات خاصة لكاتبها منها مثلا :” الذكري الخالدة فلان الفلاني ” مع الحرص علي توقيع التاريخ ، وبعضها كان رسائل غرام ووله :” باحبك يا فلانة بنت فلان للأبد ” …
ولكن اخطر تلك النقوش كانت تلك التي تحمل رسائل سياسية ، مثل الهجوم علي زعيم أو حكومة أو سياسة بعينها …
نقوش حملت رائحة زمنها ، وكانت بمثابة مساحات نادرة للتعبير الحر عن الرأي ، ولاشك أنها كانت تمثل لكاتبيها نوع من الفضفضة ، تساير عملية الإفراغ البيولوجي فهي في النهاية إفرازات طبيعية ، تدفعها تقلصات تلقائية للتخلص من حمولات زائدة .
والمصطلح الإنجليزي Excretion قد يعبر علميا عن هذه الظاهرة في وظيفتها البيولوجية .
ويبقي أن نقوش جدران المراحيض هي عملية سرية تتوخي التقية ، وربما لذلك قد نجد بعض هذه النقوش تعبر بجرأة وأباحية عن مضامين قد لا يعكسها أي خطاب عام داخل المجتمع بشكل علني ، ولو انها في الغالب تعكس العديد من الأفكار والمشاعر الحبيسة ، التي يخشي أصحابها عن الإفصاح بها علانية .
ومن أسف ان أحدا لم يلتفت بشكل جاد للبحث الأكاديمي لفهم هذه الظاهرة علميا من جوانبها الإجتماعية والسياسية والنفسية ، ومن واقع خبرتي في الترحال عبر بلاد مختلفة ، يمكنني رصد هذه الظاهرة أيضا في بعض دول أمريكا اللاتينية ، وبعض الدول العربية ، ويمكن إضافة رصد توغل بعض مظاهرها في دول أخري في شكل نقوش علي جذوع الأشجار والكهوف والمقاعد الحجرية .
ولا زلت أتذكر إحدي المعلقات علي جدار مرحاض عمومي كان موجودا أمام سينما ميامي ( وتمت إزالته ربما بسبب مثل هذه المعلقات ) ، كان الجدار كله منقوشا من أعلي إلي أسفل ، بلغة عربية رديئة تنم عن مستوي تعليمي منخفض ، ولكن المضمون كان شكوي من مدير أحد المصالح الحكومية ، مرصعا بشتائم بذيئة ، وانتقادات لأسلوب عمل تلك المصلحة ..
وللأسف لم تكن وسائل التسجيل الإليكترونية متاحة لإلتقاط مثل هذا الفلكلور ، ولو أنني حرصت علي أن أسجل الواقعة في يومياتي التي دأبت علي كتابتها منذ نعومة أصابعي .
وبشكل ما تعكس بعض التعليقات علي وسائل التواصل الإجتماعي ، اسلوب متطور للظاهرة نفسها ، خاصة حين تحملها لجان معينة تتخفي خلف أسماء مستعارة ، وتحرص علي غلق صفحاتها ، وكأنها إفرازات لا تختلف رائحتها عن تلك النقوش المراحيضية الملحمية.
وإذا كان ” شامبليون” قد اكتشف أسرار اللغة الهيروغليفية من خلال فك شفرة حجر رشيد ، فربما كان الأمر يحتاج ل” شامبليون” آخر كي يفك شفرة تلك النقوش ، لعل ذلك يساعد في قراءة الواقع بشكل أوضح .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى