
بعض الذكريات لا تنتهي بانتهاء الرحلة، ولا تغادرنا حين نعود من المكان الذي ذهبنا إليه… بل تبدأ هناك.. وتظلّ بعض الأماكن تسكن فينا طويلاً، حتى وإن لم نرها من قبل. نعرفها من حكايات الآباء، من أسماء الشوارع والبيوت، من صورة قديمة معلّقة على جدار، من مفتاح صدئ احتفظت به أمّهاتنا سنوات طويلة، أو من أغنية كان اجدادنا يرددونها، كيف كان الوطن قبل أن تقتلع النكبة الإنسان من أرضه. ولعلّ أقسى ما في اللجوء أن يولد جيل كامل، وهو يحمل وطناً لم تطأ قدماه أرضه، لكنه يشعر أنه يعرفه أكثر من أي مكان آخر في هذا العالم…
كان هذا هو حال أولئك الشباب الفلسطينيين الذين عادوا إلى رام الله قادمين من مخيمات اللجوء في لبنان وسوريا والأردن وباقي مناطق الشتات، للمشاركة في سلسلة الملتقيات الثقافية والتربوية التي عقدت على ارض الوطن خلال أعوام 2009 – 2014 ….
وحكايتنا هذه المرة تبدأ عن العودة الى عكا.. فأثناء التحضيرات لعقد الملتقى على ارض الوطن، سمعت البعض يتحدث عن عكا التي تنحدر جذورهم منها، فكان واضحاً أن الحديث عن عكا بالنسبة لهم لم يكن حديثاً عن الجغرافيا، بل عن شيء أعمق بكثير… عن الهوية، وعن الذاكرة، وعن أجداد وآباء وأبناء عاشوا عمرهم كله وهم يحلمون بالعودة… شباب لم يعيشوا في عكا ولم يمشوا في أزقتها، ولم يلمسوا حجارتها القديمة، ولم يجلسوا على شاطئها… لكنها كانت تسكن في وجدانهم، لأن آباءهم وأجدادهم حملوا صورتها معهم يوم الرحيل، وحملوا معها وعداً مؤجلاً بالعودة…
فسألني أحدهم: جدتي لم تطلب مني شيئا عندما أعود الى فلسطين.. إلا شيئا واحدا! سألته: وماذا طلبت منك؟ قال: حفنة من رمل بحر عكا !!! يا الهي، شيء صغير جداً في نظر الآخرين، لكنه بالنسبة لجدته التي عاشت لعقود في المخيم، يساوي الكثير. فكان الوصول إلى عكّا بالنسبة إليهم طريقاً إلى الذاكرة، إلى الحكايات التي سمعوها من أمهاتهم وآبائهم، إلى البيوت التي لم يروها إلا في مخيلتهم، إلى بحر ظلّ حاضراً في ذاكرة جيل كامل من اللاجئين، حتى وإن لم يروا أمواجه بأعينهم. ومن هنا كان لابد من تحقيق الحلم..
وصل اللاجئون أعضاء الملتقى إلى رام الله، وعقدنا العزم أن نصل الى عكا في أقصى شمال فلسطين!! وحين اقتربنا من عكّا، كان الصمت يسبق الكلمات. كل واحد منهم يعيش لحظته بطريقته الخاصة… الكل ينظر من نافذة الحافلة، وتختلط الأصوات مع ضحكات وابتسامات ودموع.. حورية تشير وتقول هذه ارض المنشية، وناصر يقول هذه ارض الدامون، اما الصفدي يشير بيده قائلا، انها ارض البروة بلدة الشاعر الكبير محمود درويش، هكذا وصفها لي عمي أبو صالح، وأما هاشم فصرخ وقال هذه الفريديس كما وصفها الشاعر الكبير أبو عرب.. وصلنا عكا.. المدينة التي تختزن في حجارتها صفحات طويلة من التاريخ الفلسطيني…نحن الآن في عكا التي لم تكن مدينة عادية في تاريخ فلسطين، بل كانت واحدة من أهم حواضر الساحل الفلسطيني، وميناءً نابضاً بالحياة، ومدينة قاومت الغزاة، واحتفظت بمكانتها عبر قرون… شعرت ونحن نقف أمام بحرها، أن التاريخ كله كان يقف معنا…هنا عكا احمد باشا الجزار وظاهر العمر، هنا عكا التي عجز نابليون بونابرت عن إخضاعها في حملته على بلاد الشام عام 1799، وعاد الى فرنسا خائبا مهزوما أمام اسوارها…لكن عكّا التي شاهدناها ذلك اليوم لم تكن فقط عكّا التاريخ…كانت الأمهات والآباء والأجداد ..عكّا التي حملها اللاجئون معهم، وظلّ بحرها حاضراً في ذاكرتهم حين غادروها قسراً…نزلنا على شاطئ عكا، وبعفوية فريدة، ارتفعت الأقدام على رمل عكّا، وتشابكت الأيدي لتبدأ الدبكة الشعبية على أنغام الأرغول التي كانت تصدح من قوارب الصيادين العرب الراسية على ساحل عكّا… لم تكن هناك فرقة موسيقية، ولا منصة، ولا ترتيب مسبق. كان البحر هو المسرح. والرمل هو الأرضية. والأرغول هو الموسيقى، ليبدأ الشباب والفتيات بالرقص على شاطئ مدينة لم يعرفوها إلا من روايات آبائهم واجدادهم، كما لو أنهم يحتفلون بعرس طال انتظاره عشرات السنين… كان الآباء الذين رحلوا ولم يستطيعوا العودة، والأمهات اللواتي احتفظن بمفاتيح بيوتهن، والأجداد الذين ماتوا وهم يحلمون بالوطن…
كانوا جميعاً، بطريقة ما، يطلون من خلف هؤلاء الشباب.. يا لها من لحظات تاريخية! لم تكن الدبكة في تلك اللحظة مجرد فولكلور. كانت إعلاناً عن الحضور. كانت تقول إن الذين اقتُلعوا من المكان لم يُقتلع المكان من ذاكرتهم. كانت الأقدام التي ضربت رمل عكّا تقول شيئاً بسيطاً ولكنه عميقاً.. نحن هنا.. باقون هنا.. وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة..
ساد الصمت رصيف ميناء عكا، بينما كان البعض يضع حفنة من رمال بحر عكا في اكياس احضروها خصيصا لهذا الغرض، والبعض الأخر يملئ زجاجات فارغة بحفنات من الرمل تنفيذا لتوصيات الأجداد والأمهات والاباء الذين كانوا بانتظار تلك الحفنات التي تعني لهم الكثير.. ولم نكد ننتهي من ذلك المشهد الذي اختلطت فيه دموع الشباب بملوحة البحر، كان خبر وصول اللاجئين الى ميناء عكا، قد سبقنا إلى أحياء عكا العربية. ليبدأ أهالي عكا يتوافدون إلى الشاطئ للقاء هؤلاء الشباب..
وتبدأ الأسئلة تتدفق، من نساء وشيوخ عكا.. أبو صالح يسأل ( من وين انتو يا عمي؟ وام العبد تسأل جيتوا من مخيم عين الحلوة يا خالتي ولا الرشيدية؟ وتختلط اجاباتهم الواحد بعد الآخر( من اليرموك.. من عين الحلوة ..من شاتيلا ..من الوحدات.. من الرشيدية.. من برج البراجنة.. ومع سماعهم أسماء المخيمات، سرعان ما تتغير ملامح الوجوه، ويقترب السؤال بشوق وحنين: من أي عائلات انتم؟ ويأتي الجواب من العديد من الشباب، من الصفدي، الكردي، الماضي، البيومي، السعدي، الخطيب، الحبوش، القاضي، مدلج، شعبان، آل ياسين، وما إن يسمع أحدهم اسم العائلة حتى يصمت للحظة، وكأن الاسم أعاد إليه صورة قديمة من صور عكا؛ بيتاً، أو حارة، أو جاراً، أو وجهاً غاب منذ زمن. وبين الذين بقوا في عكا والذين غادروها ظل خيط خفي لم ينقطع، وكأن ذلك الخيط يظهر الآن على الشاطئ. وهكذا، شيئاً فشيئاً، لم يعد الشاطئ مجرد مكان التقينا فيه بالبحر. صار الشاطئ موعداً بين زمنين، زمن بقي هنا، وزمن حمل عكا معه إلى المخيمات. وتتشابك الأيادي من جديد.. وجوه من عكا، ووجوه جاءت من المخيمات، وأسماء فرقتها الجغرافيا وجمعتها الذاكرة. وللحظات، لم يعد أحد يعرف من جاء من المخيم، ومن بقي في عكا.
كان الجميع أبناء مدينة واحدة… وينتهي مشهد الميناء، لنغادر لزيارة سجن عكا.. المكان الأكثر صمتاً، والأكثر ثقلاً في الذاكرة…عذابات الأسرى (عطا الزير…محمد جمجوم…فؤاد حجازي…اولئك الذين لم يسمحوا للسجن أن يكسر إرادتهم. ثلاثة أسماء بقيت في الذاكرة الفلسطينية شاهدة على مرحلة قاوم فيها أبناء شعبنا الاحتلال البريطاني،. كان الصمت هذه المرة أبلغ من الكلام.. قبل ساعات كانوا على الشاطئ يضحكون ويرقصون، ويجمعون الرمل في أكياس صغيرة، والآن يقفون أمام سجن عكا، يستعيدون حكاية رجال ثلاثة أعدموا وهم في ريعان شبابهم، ودفعوا حياتهم ثمناً للحرية. كان واضحاً أن عكا لم تكن تمنحهم ذكريات فقط، كانت تمنحهم أيضاً درساً في معنى أن يكون للإنسان وطن. خرجنا من السجن، وكانت الشمس تميل نحو الغروب، تؤشر إلى ساعة الرحيل.. وبدأ الشباب يتجمعون واحداً تلو الآخر، تمهيدا للعودة الى رام الله…وبدأنا نتفحص عدد وأسماء الشباب والفتيات.. فكانت المفاجأة الأكبر.. فتاتان من عين الحلوة وثلاثة شباب من مخيم اليرموك والرشيدية غير موجودين!!! في البداية حاولنا أن نتصور أن الأمر بسيط، ربما ذهبوا لشراء شيء ما ؟ ربما تأخروا في مكان قريب؟ لكن الدقائق بدأت تمر… عشر دقائق…عشرون…نصف ساعة…ثم ساعة كاملة. تحول الفرح الذي ملأ المكان قبل قليل إلى قلق ثقيل.
بدأت الأسئلة تتوالى: أين ذهبوا؟ مع من خرجوا؟ كان الخوف يتسلل بيننا بصمت.. هل اختُطفوا؟ يا إلهي ماذا نفعل؟ في تلك اللحظات، لم تعد عكا التي كانت قبل قليل مدينة الفرح. بدت لنا فجأة مدينة واسعة، وكل شارع فيها يمكن أن يخفي وراءه جواباً. وبينما كنا نعيش أسوأ الاحتمالات، ظهروا.. يا الله!! ظهرت ولاء …فاطمة ..ظهر خالد …احمد .. ناصر.. ظهروا الخمسة فجأة. لكنهم لم يكونوا وحدهم. كان معهم عدد من النساء والرجال من اهل عكا. في اللحظة الأولى لم نفهم شيئاً. تقدم خالد وقال وهو يضحك: لا تخافوا… وجدنا أهلنا! نظرنا إليه بدهشة. وبدأت الحكاية تنكشف. كان بعض أهالي عكا قد تعرفوا إلى هؤلاء الشباب على الميناء، وتعرفوا إلى أسمائهم وعائلاتهم، التي عاشت في أحد احياء المدينة. فكان اجداد الخمسة إما كانوا جيرانا لعائلة من أهالي عكا الذين جاءوا للقائهم، فذهبوا مع هؤلاء الأهالي، من بيت إلى بيت، ومن ذاكرة إلى ذاكرة، ومن حكاية إلى حكاية. ليتبدل الخوف والقلق إلى ضحكات، وتحولت الدموع التي كادت تنزل من شدة القلق إلى دموع أخرى، هذه المرة من الفرح. واقترب أبو العبد من خالد ووضع يده على كتفه وقال: يا بني… أنت لست غريباً عن هذه المدينة، وأضاف: جدك كان هنا وذاك البحر يحمل إسمه.. وعندها أدركنا جميعاً أن الشباب الخمسة لم يضيعوا في عكا، لقد ضاعت عكا فيهم… ثم وجدناها… كنا جميعاً أبناء عكا في تلك الليلة. وبقيت حفنة الرمل في أيديهم، شاهدًا على أن الوطن قد يُغادره الإنسان، لكن الوطن لا يغادر الإنسان أبداً… وهنا وقفنا جميعا لاجئين ومواطنين في عكا وهتفنا جميعا…
(نحن أصحاب الأرض .. لنا الماضي ولنا الحاضر ولنا المستقبل)…
(يمينا يا وطن لن تغادرنا… وعلى هذه الأرض سنزرع الحياة)