
صدرت حديثاً عن دار الزمان – دمشق 2026 رواية “مدينتان ونصف وطن… في زمن النزوح” للروائي الكوردي السوري ماهين شيخاني، وهي عملٌ أدبيٌّ يمزج بين صدق الشهادة وجمالية السرد، ليقدّم تجربة النزوح كمسألة وجودية لا مجرد حدث سياسي.
تنطلق الرواية من سؤالين محوريين: “كيف يمكن لإنسان أن يحمل مدينته فوق كتفيه؟ وكيف تفسر لطفلك أن الحدود التي تقطعها لا تفصل بين دولتين، بل بين حياة وموت؟”، لتأخذنا في رحلة بين مدينتين؛ الدرباسية التي اشتعلت بنيران الحرب، وهولير التي لم تطفئ برد الغربة. أمّا “نصف الوطن” فهو استعارة وجودية مكثّفة، تعبّر عن إنسان يعيش بنصف ذاكرة ونصف حياة، بينما يبقى نصفه الآخر معلّقاً خلف الحدود.
يعتمد الكاتب على ضمير المتكلم، مانحاً القارئ موقعاً في قلب التجربة الإنسانية. الرواية تخلو من الأبطال الخارقين، وتقدّم بدلاً منهم وجوهاً حقيقية تحاول أن تعيش؛ كالطفل “مسعود” الذي يسأل أباه بعينين واسعتين: “بابا… إلى أين نذهب؟” فيجيبه الأب: “إلى قدرنا يا بني.”، و”بارون” المخيم الذي يخفي انكساره خلف ضحكته,و”شيروان” ظل اللاجئ الذي يبيع الأمل كسلعة.
تميل اللغة إلى الوضوح والاقتصاد، مع حضور شعري ينبع من صدق التجربة ذاتها. الحرب لا تظهر فيها كمعارك، بل كأثر نفسي يتسلل إلى التفاصيل اليومية: الخبز، الطريق، الحقيبة، الطفل. وبهذا، تتحول الرواية إلى مرثية وطنية ووثيقة إنسانية تلتقط تفاصيل الانهيار قبل أن تلتقطها ذاكرة النسيان.