
هنالك قطعة زجاج عالقةٌ في حلقي
من ثلاثين سنة
اسمها أبي.
أحيانًا و أنا آكل، أشعرُ أنّني أغصُّ بطرف جلبابه
أو كمشةٍ من لحيته،
أسمعُ حشرجته داخلي.
أحتاجُ إلى أكثر من صفعاتٍ على الظّهر
لأُخْرِجَ حياةً بأكملها
مثل بصقة سريعةٍ و مُستعجلة.
حين كنّا صغارًا، لم نكن نرى أبي
إلاّ على مائدة الطّعام.
كنتُ أعرفه من قرقعةِ الصّحون و الملاعق،
و أعرفُ قلبي من ٱنكساره
بين أسنانه.
حتّى أمّي كانت تراني أطلي رغيفي بالزّجاج
و لا تقول شيئًا،
لكنّني كنتُ أتفطّن لها وهي تفتحُ مريئها كلَّ ليلة
بمِشْرَطِ الكراهيّة
مُفتّشةً عن قطعةٍ واحدة
من أبي.
لقد عاشت كلتانا كنافذتينِ مُتجاورتين
عقب زلزال؛
لا واحدةَ فينا ترى الأخرى
إلاّ حين ننكسر.
حبلت بي أمّي بعد عامٍ من زواجها.
أخبرتني بأنّ أبي كان يضربها و يرفسها برجله،
و ظلّت تسمع هشيمًا في أحشائها لأشهر متواصلة.
تناولت السَّمنة و زيت الزّيتون في كلِّ وجبة،
دهنت زواجها المُتشقّق بالمراهم و كريمات السّوق،
لكن لا شيء يُليّن بيتًا مُصابًا بتورُّمٍ أُسَريّ.
حتّى حين كان أبي يجلسُ ساكنًا،
كنتُ أميّز صوته وهو يخرجُ من جسدي،
مُدويًّا و حادًّا،
كلّما وقعتُ على الأرض.
حلمتُ كثيرًا بأن يتغيّرَ أبي
أو أن يمنحنا اللهُ أبًا جديدًا،
لكنّ الأحلام ليست سوى نوافذ ببيتٍ واطئِ السّقف،
أسيرُ أسفلها مُتلفّتًا لرأسي كلّ لحظة.
كبرتُ هكذا،
دون أن أثقَ في الأيّام المُتعاقبة على شُبّاكِ غرفتي،
كنتُ أقول: “لا بدّ وأنّها هي أيضًا تريدُ تحطيمي.”
حين وصلتُ لسنّ البلوغ،
لم يعد أبي يسمح لي باللّعب مع أولاد الجيران
خوفًا من غضب الله.
كثيرًا ما كنتُ أتخيّل نفسي طابةً
ترتمي من عُشبِ الطّفولة إلى حائط الأنوثة،
تتمطّط و تنكمش مرّةً من كلّ شهر،
ثمّ تسيلُ شظايا بمجرّد ٱنسلاخ بطانة الأب.
حين ٱكتملَ نموُّ ألمي و سمنتْ أردافه،
ألبستهُ أمّي خمارًا طويلاً
حتّى لا يلحظ أحدٌ ٱستدارةَ سنواتي الثّلاث عشر.
أمّا أبي فكان يُلقّنني القرٱن و الأحاديث،
و رغم ذلك، لم أستطع أن أعثرَ على الله
في فمه،
لكنّني رأيتُ مرّةً ملاكًا يتدلّى من شفتيه،
ممضوغًا و مبتلاًّ،
مثل لُبابة خبز.
كانت أمّي تتكوّمُ خلفه في الصّلاة
و كأنّها حاشيةُ برنسه،
فكان كلُّ من بالبيتِ يتعثّرُ بها.
كان يمكن أن تكون قامةُ أمّي أطولَ قليلاً
حتّى لا نمشي و نصطدم بها
كلّما أخذنا خُطوةً خارجَ طفولتنا.
كلُّ رجالِ الحيّ كانوا يحسدون أبي على طوله.
لم أفهم إلى الآن ما جدوى أن تخبط السّماءَ برأسك
و لا يهطلَ شيء.
لأنّنا عشنا فقراء، لم يملأ أبي جرادلنا و طاساتنا
بغير ماءِ وجهه.
ليس غريبًا إذن أنّنا كنّا نتحلّقُ حول حُطامنا
في الفطور و العشاء
و نقولُ “بسم الله.”
ليس غريبًا على الإطلاق أن أمدَّ يدي
و أمطَّ لساني
نحو أبي
فأشرَقْ بالفراغ.