كتاب وشعراء

لا بدّ للربيع أن يأتي…..بقلم لمياء موسي

نرى الحياة كثيرًا بوجهها القاسي؛ وجهٍ تتجلّى فيه ملامح الظلم، وتنعكس عليه آثار القسوة، وتتكسّر فيه معاني العدالة الغائبة. هناك، يغرق العقل في دوّامةٍ من الأسئلة الثقيلة، فيحاول أن يخفّف وطأتها بما يُنتجه من تعبير؛ فتنبثق القصص، وتُصاغ الأشعار، وتتشكل النصوص… كلٌّ يروي حكايته من زاويته الخاصة، ويترجم تجربته بلغةٍ تخصّه وحده.

فمنهم من يصرخ، كأنما يريد أن يوقظ العالم من سباته، ومنهم من يتكلم بهدوءٍ مثقل، ومنهم من يرسم ألمه ألوانًا على قماش الصمت، وهناك من يختار الصمت ذاته، لا عجزًا، بل لأنه أدرك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأنه شكلٌ آخر من أشكال البوح.

ثم، وعلى حين غفلة من هذا الثقل كلّه، يأتي الربيع… لا كفصلٍ عابر، بل كرسالة. تُخبرنا الطبيعة من خلاله أن للحياة وجهًا آخر؛ وجهًا مشرقًا، نابضًا بالجمال، ممتلئًا بالدهشة والإبداع. وكأنها تهمس في أذن الإنسان: إن ما رأيته ليس كل الحكاية.

عندها، يقف العقل حائرًا بين ما اختزنه من قسوةٍ طوال العام، وبين هذا الجمال المفاجئ الذي لا يدوم طويلًا. فصلٌ قصير، لكنه كافٍ ليعيد ترتيب الفوضى داخلنا، ويكتب سطرًا جديدًا في فهمنا للحياة؛ سطرًا يقول إن القبح ليس قدرًا دائمًا، وإن الجمال، وإن تأخر، لا بدّ أن يأتي.

وحين يأتي… تكون لحظةٌ واحدة منه كفيلة بأن تمحو آثار عامٍ كاملٍ من الوجع، كأنها لم تكن.

فيا من طال ليله، وتكاثفت فصول القسوة في عمره، لا يعني ذلك أن الحكاية قد انتهت. دائمًا هناك شيء يتكوّن في الخفاء، شيء يشبه الضوء وهو يشق طريقه عبر العتمة.

وحين يجيء، لن يطرق الباب طويلًا، بل سيدخل دفعةً واحدة، كدهشةٍ تردّ الروح إلى مكانها، وكأن الحياة تعتذر عمّا مضى.

فلا نيأس من تأخّر الجمال في العالم، فبعضه لا يأتي إلا بعد أن نتعب ونُمتحن، لنعرف قيمته ونحسن الحفاظ عليه.

وحين يأتي، لا يُعوّض فقط… بل يُعيد خلقنا من جديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى