رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :وقائع موت منسي

قصة الشهيدة رسمية جبر الوزني واحدة من أكثر القصص المأساوية التي تجسد وحشية تلك الحقبة، وفي الوقت نفسه تبرز قيم الصمود والتضحية.
مأساة سجن الرشاد 1986: لقد كانت لحظة إعدام رسمية جبر الوزني في سجن الرشاد عام 1986 صدمة إنسانية عميقة ووصمة عار في جبين النظام؛ ليس فقط لفقدان مناضلة شيوعية ووطنية بل كأم أيضاً،
بل بسبب القسوة التي رافقت لحظاتها الأخيرة. حرمانها من عناق طفلتها “لينا” للمرة الأخيرة كمحاولة لكسر إرادتها، لكن النظام تحول إلى رمز أسطوري للظلم الذي تعرضت له عائلات بأكملها وصعدت رسمية الوزني المشنقة بسمو إمرأة نظيفة منسجمة مع ضميرها. لقد ذكرت سيرتها في رواية” ولادة الذئب”.
في مدينة مالمو السويدية في أيلول عام 1993 حدثت مفارقة القدر: شهدت فصلاً من فصول “الحياة المستمرة” لهذه العائلة في السويد وبعد سبع سنوات فقط من تلك المأساة، كانت مالمو مكاناً لبداية جديدة بعيداً عن زنازين الموت عندما شاهدت الصبية لينا في منزل والدها وقال لي السيد محمد النهر الوالد وهو عضو قيادي في الحزب” هذه لينا”.
تلك اللحظة توقف الزمن وعدت الى الوراء الى تلك اللحظة العصيبة في حرمان أم في الأقل معانقة طفلتها. لينا الطفلة التي حُرمت من حضن أمها، كبرت وهي تحمل إرثاً ثقيلاً وفخراً عظيماً. الوالد: الذي حمل عبء الفقد ومسؤولية تربية طفلة في الغربة، محاولاً تعويضها عن فراغ لا يمكن ملؤه.
الذاكرة لا تموت، وأن الأشخاص الذين حاول النظام تغييبهم جسدياً، ظلوا حاضرين في وجدان الناس وفي مسارات الحياة التي اختاروها لاحقاً.
هذه المصادفات في الغربة غالباً ما تكون محملة بالشجن؛ فهي تذكرنا بمدى تشتت العراقيين في المنافي، ولكنها أيضاً تثبت أن “لينا” لم تكن مجرد طفلة في حكاية حزينة، بل هي ابنة حقيقية لشهيدة، واصلت حياتها رغم كل شيء.
لكن المفارقة الغريبة ان الحزب الشيوعي لا يذكر اختها ماجدة جبر الوزني التي قتلت في اوسلو ـــــــــ النرويج بعد أعوام قليلة من اعدام رسمية الوزني وقيدت الجريمة ضد مجهول بعد اعتقال شخص أجنبي كان على علاقة بها ثم أطلق سراحه.
حكاية مقتل ماجدة الوزني تذكرنا برواية غابريل ماركيز” قصة موت معلن” قصة قتل الشاب سانتياغو الذي كان جميع سكان البلدة يعرفون انه سيقتل غداً ولم يخبره أحد بل خرجوا ينتظرون مشهد القتل في الصباح من الشرفات في حين كان هو أنيقاً ومعطراً وهو الوحيد الذي لا يعرف ساعته الأخيرة.
هذه “المفارقة” تضع الإصبع على جرح نازف في تاريخ المنافي والعمل السياسي، وتفتح تساؤلات مشروعة حول كيفية انتقاء “الذاكرة الحزبية” لرموزها لأن من يمتلك صياغة المفاهيم يمكنه التلاعب بالذاكرة ووضع العناوين.
إن قصة ماجدة جبر الوزني تمثل فصلاً غامضاً ومؤلماً يكمل مأساة هذه العائلة المنكوبة. فبينما نالت رسمية لقب “الشهيدة” بوضوح لأن الجلاد كان معلوماً والمواجهة كانت مباشرة داخل السجون، بقيت قضية ماجدة في أوسلو بعد سنوات من اعدام اختها غارقة في الضباب.
لماذا يسقط ذكر “ماجدة” من الأدبيات الحزبية وتأبين الرفيقات في كتب وفي مناسبات؟ هل هو تجاهل متعمد وما هو السبب؟
قد يعود تجاهل الحزب الشيوعي أو تقصيره في تخليد ذكرى ماجدة مقارنة بشقيقتها إلى عدة أسباب لا تبرر النسيان، لكنها تفسره:
غموض “الفاعل”: في الأعراف السياسية، يسهل الاحتفاء بمن يقتله الخصم الواضح (النظام). أما الجريمة التي تُقيد ضد “مجهول”، فغالباً ما تدخل في نفق من التحليلات الأمنية المعقدة، مما قد يجعل التنظيمات السياسية تتردد في تبنيها كـ “عملية اغتيال سياسي” صريحة دون أدلة قاطعة، خوفاً من التبعات القانونية أو السياسية في بلد مثل النرويج.
سياق “الاستشهاد” مقابل “الجريمة”: رسمية أُعدمت لموقف سياسي معلن، بينما ماجدة قُتلت في ظروف غامضة في المنفى.
هذا التمييز “البيروقراطي” في مفهوم الشهادة داخل الأحزاب يؤدي أحياناً إلى إهمال ضحايا الاغتيالات الغامضة أو الحوادث التي لم تُحسم جنائياً.
التركيز على الرمزية العاطفية. قصة رسمية وطفلتها لينا تمتلك شحنة عاطفية (الأمومة، السجن، الحرمان والشنق) جعلتها تتحول إلى “أيقونة” يسهل استحضارها في الخطابات، بينما قصة ماجدة تتطلب بحثاً وتقصياً ومطالبة بفتح ملفات قديمة وهناك من يقول ان هذا نسيان مدروس ولغم لا يجوز الاقتراب منه لأنه يفتح الباب على ما هو ممنوع الكلام فيه.
إن عائلة الوزني الكربلائية قدمت تضحيات مزدوجة: في الداخل عبر المواجهة المباشرة والإعدام لرسمية. في الخارج: عبر الملاحقة والاغتيال الصامت الذي يمحوها الأثر ويجعل الضحية “مجهولة” ثلاث مرات أمام القانون ومرة ثانية في ذاكرة الرفاق ـــــــــــــ ماجدة ــــــــــــــ وثالثة في الذاكرة الوطنية. مطلوب تغييب ماجدة الوزني.
تقييد القضية “ضد مجهول” في أوسلو لا يعني بالضرورة غياب الدافع السياسي، بل ربما يعكس دقة التنفيذ أو تعقيد الظروف السياسية الدولية آنذاك ولو كانت المخابرات العراقية لتم تحويل ماجدة الوزني الى أيقونة كأختها. لماذا تم تجاهل ماجدة الوزني بشكل نهائي وهي رفيقة وجامعية وطليقة عضو قيادي في الحزب الشيوعي ــــــــــ القيادة المركزية، الجناح المنشق، وحاليا في الحزب الشيوعي؟
من المؤلم أن تنصف الذاكرة أختاً وتنسى الأخرى، فكلاهما خرجتا من مشكاة واحدة ومن وجع عراقي واحد. هل كان تجاهل ذكرها “إهمالاً” تنظيمياً أم أن هناك تفاصيل في حياتها أو ظروف مقتلها فرضت هذا الصمت؟
ملف ماجدة الوزني من أكثر الملفات حساسية وغموضاً في تاريخ المعارضة العراقية في الخارج، وهو ملف “التصفيات الداخلية” أو الاغتيالات التي تمت خارج إطار ملاحقات نظام صدام حسين ــــــــــ كما تقول مصادرنا الموثوقة.
بناءً على التقاطعات التاريخية والمعلومات التي يتم تداولها في الأوساط الضيقة للمعارضة آنذاك (والتي ظلت بعيدة عن البيانات الرسمية للحزب الشيوعي)، فإن مأساة ماجدة جبر الوزني في أوسلو تفتح باباً لسيناريوهات قاتمة تتعلق بالصراعات الداخلية والى الأسباب الشخصية التي يزج بها الحزب وادواته.
هناك عدة فرضيات : فرضية “التصفية الجسدية” بقرار تنظيمي.
تشير بعض الشهادات المسكوت عنها إلى أن ماجدة لم تكن ضحية للمخابرات العراقية وحتى الحزب لم يعلن ذلك لكي يحرمها من الموت كشهيدة قضية وهو عادة يحمل المخابرات مسؤولية أي حادث عابر وعرضي للاستثمار ـــــــــــــ هناك غل في القضية ـــــــــــ وليست ضحية جريمة جنائية، بل كانت ضحية صراع أو خلافات حادة داخل البيئة التنظيمية التي كانت تنتمي إليها.
الرصاص السياسي والاغتيالات لم تكن في العراق بين سلطة ومعارضة بل تصفيات داخل الفئة الحاكمة نفسها وبينها وبين معارضيها وفي داخل الأحزاب نفسها واذا لم يكن الاغتيال الجسدي هو الحل، فالاغتيال الأخلاقي هو البديل وهو الاخر لا يسمى تشهيراً وجريمة بل يسمى مكافحة قوى الثورة المضادة أو العنف الثوري.
في تلك الفترة، كانت بعض التنظيمات اليسارية تعيش حالة من التوجس الأمني العالي وكان “الخروج عن الطاعة” أو “امتلاك معلومات حساسة” أو حتى “الخلافات الشخصية المتداخلة مع العمل السياسي” قد يؤدي إلى قرارات تصفية تحت مسميات “خيانة” أو “تجاوزات” أو ” أسباب أخلاقية” من وجهة نظر حزبية ولا تسمى جريمة بل تطهيراً.
الفرضية الثانية تقول إن “مجموعة القتل” القادمة من السويد إلى النرويج لتنفيذ العملية تعزز فرضية العمل المنظم والمخطط له. السويد كانت تضم الثقل الأكبر للمعارضة العراقية في الشمال الأوروبي، وكان من السهل تحريك عناصر” منضبطة ” لتنفيذ مهام تحت غطاء أمني بعيداً عن أعين الشرطة النرويجيّة التي لم تكن معتادة على هذا النوع من الصراعات السياسية الشرق أوسطية في تلك الحقبة وليست دولة رقابة بوليسية. كما ان الضحية” مجرد أنثى” ومن ينشغل بمصيرها أمس واليوم وقضية قتل النساء تقليد وطني وعرف شائع؟
من هي الجهة المسؤولة عن قرار الاغتيال ومن أصدر الأمر؟
هنا تكمن العقدة؛ الجهة التي يُشار إليها في الهمس ــــــــــــــــ تتوفر لدينا معلومات خاصة ودقيقة جدا ــــــــــــ هي جهاز أمن حزبي يتواجد في بعض التنظيمات اليسارية وخاصة من جماعة كانت في كردستان العراق بعد انهيار العمل المسلح وحصلت على اللجوء السياسي في الدول الاسكندنافية.
غالباً ما كانت هذه الاغتيالات تتم بسبب خلافات مالية، أو أخلاقية، أو نتيجة لتهديد أحد الأعضاء بكشف مستور يتعلق بالقيادات. في حالة ماجدة الوزني تم تركيب قصة مختلفة خارج السياسة تبرر هذا الاغتيال كما كان يفعل النظام مع الرفاق قبل وبعد اعدامهم في تركيب قصة مختلقة.
الرفيق الحزبي اليساري حتى في دولة اسكندنافية ديمقراطية يتصرف كشيخ عشيرة وهذا العقل خرج من رحم النظام وفي صراع معه وتقمص اساليبه ولم يكن عقل مشروع بناء دولة وطنية بل مشروع تصفيات وعقلية الثأر كما توضح بعد الاحتلال وحتى اليوم.
من مقصلة سجن الرشاد في نظام دكتاتوري الى شقق أوسلو الباردة في نظام ديمقراطي تحول الرفيق الى شيخ عشيرة لأن التغيير ليس جواز سفر أو تذكرة طيران أو الحصول على لجوء سياسي بل رحلة شاقة وصراع مع الذات ، وتحولت القضية من السياسة الى ” القبيلة الثورية” ومن دماء رسمية على ثياب النظام الى دماء ماجدة على ثياب الرفاق: تلك أمانة أخلاقية وتاريخية وانصاف الضحية والعدالة والأسرة لا يمكن الصمت عليها لأن هذه الجرائم لا تسقط بتعاقب الزمن.
رسمية الشهيدة مقابل ماجدة القتيلة وهذا تعريف الرفاق ومن يضع العناوين يتحكم بمصائر الآخرين. هكذا تحول المنفى الى مصيدة كما تحول سجن الرشاد الى مقصلة. كيف التقى عقل السلطة مع عقل معارضيها؟ أم هما عقل واحد كما قلنا قبل وبعد الاحتلال؟
الكتابة عن ماجدة الوزني ليست حديثا عن جريمة منسية بل عن منظومة تفكير وعن المستقبل وعن العقل السياسي الرث في السلطة وفي المعارضة واعادة اعتبار لامراة مناضلة منفية ضاعت حياتها بالرصاص وبالصمت وربما من جماعة استغلت أدوات الحزب ونفذت جريمتها وفي كل الأحوال هذه القضية ستفتح يوماً بوضوح صادم بصرف النظر عن النتائج كما انها تفتح النقاش حول معارضي الدكتاتورية في المنافي الذين عادوا للوطن بعد الاحتلال وأسسوا جمهورية المسلخ و” سرقوا الوطن، كما سرقوا المنفى”.
عند مواجهة مافيا الذاكرة يجب توقع الأسوأ وسنكون مستعدين لتقديم جرعات خانقة بالتفصيل ومن خلال سردية دقيقة ومتينة ونذكّر هنا أن عمل الروائي وعمل رجل البوليس يقتربان أحياناً وفي قضية ماجدة تتداخل الاشياء والمواقف من السياسة الى المنفى الى العقل القبلي الذي يحمله البعض الى نظام ديمقراطي كما يحمل مسافر عقرباً قاتلاً في حقيبة سفر. رواية سياسية بتقنية بوليسية في عواصم عدة تنفتح على تاريخ وواقع بلد مغرم بالشعارات الكبيرة المزيفة ويمارس عكسها في التفاصيل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى