
رسالة أدبية إلى سادن الوقت..
أكتب إليك وصايا العبور الأخير
يا من تقف عند بوابة العبور كحارسٍ لا ينام،
أكتب إليك لا لأنك تسمع، بل لأنني أخيراً تعبت من مطاردتك.
كنتُ أظنك طريقاً، ثم اكتشفت أنك المسافر.
كنتُ أظنك ساعةً معلّقة على جدار الغرفة، ثم فهمت أنك الجدار نفسه، وأننا نحن الصور التي تتبدّل فوقه. تمضي بنا ولا تمضي فينا، تقتطع من أصواتنا حدّتها، من ملامحنا طفولتها، من قلوبنا رعشتها الأولى، ثم تترك لنا حكمةً ثقيلة كأنها معطف شتاءٍ في صيفٍ طويل.
لم أكتب لأستردَّ ما مضى؛
فالذي يغادر كفّ اليد لا يعود،
والسنون إذا انكسرت لا تُجبَر بالغفران.
لكنني أكتب لأعقد معك هدنةً متأخِّرةً،
فقد سئمتُ أن أراك خصما يتربّص بي عند كل مرآة.
كنتَ قاسيًا حين استعجلت خطى الأحبة نحو الغياب،
كأنك تخشى أن يطول بقاؤهم فيعطّل نظامك الصارم.
تأخذهم بخفّة نسمة، وتترك في صدورنا فراغًا لا يملؤه شيء.
وحين نتوسل إليك أن تمرّ سريعًا في ليالي الألم،
تبطئ…
كأنك تتلذّذ بتمديد العتمة.
كيف لك أن تكون سهماً في لحظة اللقاء،
وسلحفاةً في ساعة الفقد؟
أيّ ميزانٍ هذا الذي تحمله في يدك الخفية؟
ومع ذلك،
كلما تأملت آثارك، أدركت أنك لم تكن وحدك المسؤول.
نحن الذين بدّدنا اللحظة وهي بين أيدينا،
نحن الذين علَّقنا قلوبنا في شرفة الأمس،
وأرسلنا عقولنا تستكشف خرائط الغد،
وتركنا الآن يتيماً يمشي بجانبنا دون أن نمسك يده.
كنتَ تمرّ، ونحن نعدّ خساراتنا.
كنتَ تتقدّم، ونحن نؤجّل الفرح إلى موعدٍ لن يأتي.
كم من ابتسامة خبّأناها ليومٍ أفضل،
وكم من كلمة حبّ تأخَّرنا في قولها حتى صارت شاهد قبرٍ صغيراً في الذاكرة.
أيها الزمن،
لقد فهمتُ متأخّرة أنك لست عدواً، بل مرآة.
تكشف لنا مقدار ما نهدره، وتعيد إلينا وجوهنا حين نتوه عنها.
أنت لا تسرق الشباب؛ نحن من نُسرف في إضاعته.
ولا تختطف الأعمار؛ بل تذكّرنا أن الأعمار ليست ملكاً لنا.
أراك أحياناً كبحرٍ لا قرار له، نقف على شاطئه نحاول أن نحبسه في قبضة يد، فنعود مبلَّلين بالعجز.
وأراك أحياناً كنارٍ صامتة، تحرق ما فينا من زيف، وتُبقي على ما هو أصلب من الاحتراق.
من خافك صار رماداً، ومن صالحك صار نوراً خافتاً لكنه ثابت.
ما أغربك…
تأخذ منّا الطراوة، وتمنحنا العمق.
تنزع عن أعيننا دهشة البدايات، لكنّك تزرع في أرواحنا بصيرة النهايات.
تجعل الخطوات أبطأ، لكنها أكثر يقيناً.
لم أعد أطلب منك أن تتوقّف؛ فالريح لا تفاوض أحداً، والنهر لا يرجع إلى منبعه.
لكنني أطلب منك أن تبارك عبوري.
أن تجعل في الدقيقة متّسعاً لصدقٍ كامل، وفي الساعة نافذةً تطلّ على معنى.
خذ ما تشاء من نضارة الجسد، لكن اترك لي دهشة الاكتشاف، وارتعاشة البداية، وشغف السؤال الأول.
دعني أمشي معك لا خلفك.
دعني أتعلم كيف أتنفّس داخل اللحظة لا خارجها.
أن أزرع اسمي في تراب الحاضر لا في رمل الذكريات فقط.
أعرف أنك لن تجيب. لم تجب أحداً من قبل.
لكن يكفيني أنني لم أعد أراك خصماً، بل رفيق سفرٍ صارماً، يمشي أمامي بخطوةٍ ثابتة، فأتعلَّم منه الثبات.
سنمضي معاً إلى حيث لا أعرف، وأعرف أنك تعرف.
سنمرّ بمحطاتٍ لا تحمل أسماءنا، وسأترك على زجاجها بصمة إصبع، كي إذا مرّ عابرٌ يوماً وشاهد أثراً خفيفاً يدرك أن إنساناً ما عاش هنا، وأحبّ هنا، وخاف هنا، ثم تعلّم أخيراً أن يمشي مع الوقت لا ضده.
يا سادن الوقت،
إن كان لك أن تأخذ شيئاً أخيراً، فخذ خوفي منك، واترك لي شجاعتي في مواجهتك.
المخلصة في العبور،
إنسانةٌ لم تعد تركض… بل تمشي بسكينة.
ماري العميري