كتاب وشعراء

دراسة نقدية بقلم الأديبة السورية فاطمة المخلف ‏لقصة مظاهرة للكاتب نبيل النجار

قصة مظاهرة ‏من القصص التي تصلح لأن تكون وثيقة تاريخية تؤرِّخ ‏لزمن مايُسمَّى بالربيع العربي، ‏والثقافة السائدة، ‏والسياسة المُتَّبَعة، ‏والحكم وتعامله، ‏والقانون، ‏والحرية ‏السائدة.
‏وكم يكون الأدب متميِّزاً عندما يتحوَّل إلى وثيقة من ذاكرة الشعوب وواقعها..!
‏هي قصَّة فنِّيَّة بامتياز ‏بدءاً من العنوان الذي يثير شهوة التساؤل: مظااااهرة ؟! ‏وكأنَّنا سنقرأ عن مظاهرة وكيف نظّمت أو قامت، ‏فإذا بنا ‏أمام نتائج ما بعد المظاهرة.
‏أعجبني الأسلوب، وما يخفي بين السطور
‏من سخرية الأقدار، وكيف يتحوَّل المطالب بالحرِّيَّة إلى أسير لجلاده.
‏‏ألفاظ وجمل استخدمت ‏جنَّحَتْ خيال القارئ ليطير مُحلِّقاً، ويبصر المشاهد بحركة وكأنَّ أنفاسه تكاد تتوقَّف.
‏انسجام تام نتيجة إبداع وبلاغة الكاتب ورسمه لأحداث القصة وسيره في وصف
‏ما وراء السطور.. ذلك الجحيم الذي تحدَّث عنه.. مثل: “القيود، الأسوار، المعتقلات، إضافة إلى التَّفنُّن في أساليب التعذيب”

‏هذه الحياة أصبحت سجناً من أنواع العذابات نتيجة الوحشيَّة، والتصيُّد والفساد
‏بلا عدالة ‏ولا إنسانية..، إذ ‏صيَّر الكاتب كلَّ شي في قصَّته ليصبح لسان حال يفصح عن الألم والعذاب، ‏فالعرق رمز ‏والرمل حكاية والأفعى رعب، ‏حتَّى سيَّارة النقل للسجن.
‏النهاية المدهشة ‏التي جعلت السجن حلم من وراء تلك الأسوار المشيّدة

‏(الشعب يريد دخول السجن)
‏سخرية الأقدار.. ‏منطقيَّة الأحداث أنَّ الثوَّار يخرجون من أجل الشعب وحرِّيَّته بينما الشعب ‏يريد السجن.. ‏رمزية تشتِّت الأهداف
‏و الجهل بالمستقبل.. ‏والأكثر أهميةً الهروب إلى السجون.
لقد ‏أبدع الكاتب إذ سرد الأحداث بضمير المخاطب، ‏وجعل القارئ يعيش اللحظات معه.. فأ‏لم الواقع رسم كلوحة بقلم فحم
‏ألم النفس وأدمع العين، ‏ومع الأسف مازال الواقع يدفع الشعوب نحو المجهول من شدة العذابات والكبت.
“مظاهرة”‏ نصٌّ باذخ يصف واقعاً بامتياز ‏بأسلوب سرد ‏وحبكة وشخصيات قد فُصِّلت تفصيلاً دقيقاً لكلِّ حدث بما قدَّمته من حوار. ‏أمَّا الصور والتشبيهات فقد أبدع الكاتب السوري “نبيل نجار” بياناً وبلاغةً، لذا فاز بالمركز الأول ‏في مسابقة القصة القصيرة
‏لشهر يناير ٢٠٢٢ ‏عن هذه القصَّة.

‏مظاهرة
‏كمجموعة أفراخ حشرت في قفص ضيق تلاصقنا بفعل الازدحام ولزوجة العرق الذي ينبع من كافة المسامات بدءاً من فروة الرأس إلى بلل الجوارب، لم تستطع قفزات العربة الفرن أن تباعد بيننا، فكل خضة وكل رجَّة كانت تحملنا في موجة ترتطم بالجدار الحديدي لخلفية السيارة الذي صار لاسعاً حامياً كجدران الجحيم.
‏ـ يأخذوننا على الأغلب إلى السجن الصحراوي.
‏برغم أن الصوت كان ضائعاً ولايعرف صاحبه؛ إذ انفلت من أعماق العربة من المنتصف حيث تلاصقت أجساد ككتلة بلاملامح، إلا أنه انتشر في الأرجاء يهز المشاعر بشكل رهيب؛ فما من أحد في الدنيا إلا ويدرك قسوة ذلك السجن أو سمع على الأقل حكايات كالأساطير المرعبة عنه.
‏ـ وكيف تعرف؟.
‏ـ الحرارة.. وعورة الطريق، عاد الصوت الضائع ليجد صاحبه، كان شاباً ضئيلاً يسكن الرعب عينيه.
‏ساد صمت مبلل بالعرق ونبضات القلوب الواجفة.
‏ـ ماذا سيفعلون بنا؟ انطلق تساؤل بفعل قفزة للعربة خلطت أجسامنا ببعضها.
‏ـ في البداية هناك حفل الاستقبال، سيضربوننا بوحشية في الدهليز من باب السجن حتى الباحة.
‏ـ تتكلم عن خبرة؟ كنت هناك؟.
‏رد بسرعة كأنه ينفي تهمة: لاوالله قرأت بعض الروايات.
‏ـ وماذا نفعل حينها؟، انطلق صوت قلق.
‏ـ نحمي رؤوسنا.
‏ـ ربما إذا تحركنا بشكل سريع.
‏ـ بعد هذا التيبس، كيف نستطيع الجري؟.
‏بعض الأيدي التي استطاعت الحركة بدأت بالمسح على الركب والسيقان تحاول استخلاص عهود بعدم الخذلان عند الحاجة.
‏ـ بعد ذلك.. ماذا؟.
‏حاول صاحب الإجابات عصر دماغه ليتذكر تفاصيل أكثر، ولكن ككل معلومة نحتاجها وسط شدة غابت كل التفاصيل: ظهر معه اسم المؤلف، اسم الرواية وشكل الغلاف وحتى عدد الصفحات! ولكنها كانت بيضاء تخلو من أي كلمات أو إرشادات مفيدة.
‏ـ بعدها ربما يوزعوننا على المهاجع
‏ـ مهاجع؟.
‏ـ الزنزانات..قد يضعوننا في مكان واحد.. إذا حالفنا الحظ.
‏طريقنا أثقل بالمخاوف اللزجة والتوقعات المظلمة؛ ماعاد الحر الجحيمي أكبر مخاوفنا، ولا الازدحام الخانق.
‏توقفت العربة أخيراً، أطلقت بوقها المزلزل والترقب الممض زاد في ارتفاع الحرارة، انصبَّت قطرات العرق، الركب انحلت، تلاصقنا أكثر، وتعلَّقت العيون بباب العربة المغلق.
‏ـ انزلوهم.. هاتوهم لهنا.
‏كأسماك السردين المبللة بالزيت نزلنا، هناك من زحف زحفاً، وهناك من جذبته أيد لتلقيه خارجاً.
‏الشمس أعشت أعيننا بعدائية كأنها تريد عقابنا هي الأخرى.
‏كان يقف في ظل العربة مع بعض جلاوزته، أسمراً بعينين حمراوين منتفخة، لكنه كان يبتسم! يبتسم بخبث واضح.
‏ـ أهلاً.. أهلاً بالديمقراطيين.. أهلاً بالأحرار.. اخلعوا ثيابكم وأحذيتكم: صاح بصوت قاصف مغيراً نبرته الأولى.
‏نظرنا إليه كالبلهاء.
‏اقترب الجلاوزة مهددين، يرفعون أعقاب البنادق.
‏بدأنا بتقشير ثيابنا.
‏ـ كل شيء ماعدا اللباس الداخلي مفهوم.
‏أخذ الحراس ثيابنا ورموها في الشاحنة، بدأت الأرض تغلي تحتنا.
‏عادت الابتسامة الساخرة: أنتم كنتم تتظاهرون وتنادون بالحرية والديمقراطية وهذا السجن ـ أشار بيده للبناء المجاور ـ
‏لحظتها ران السجن على أدمغتنا، رأيناه قلعة يحكمها تنين بألف رأس تصرخ حجارتها كأنها تعاني الموت والعذاب، أحسسناه يجثم فوق صدورنا.
‏ـ هذا السجن كما تعلمون، ضد الحرية وضد الديمقراطية، ولأنني رجل ديمقراطي مثلكم ـ اتسعت ابتسامته إلى أقصاها ـ فلن أدخلكم إليه، سأدعكم تتظاهرون هنا وتصيحون براحتكم، هذا السجن ليس لكم..أنتم أحرار.
‏قفز إلى العربة التي سارت ببطء نحو البوابة السوداء، دخلت ودخل الجنود ثم أغلق الباب، هكذا بكل بساطة!.
‏نظراتنا البلهاء الفارغة! صمتنا! دهشت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى