
قرأتُ مؤخرًا طرحًا متداولًا على منصة إكس، يذهب إلى أن المنطقة العربية مقبلة على مشروع تقسيم واسع، تشارك فيه إسرائيل كلاعب رئيسي، بدعم وتمويل من الإمارات، في مقابل ضرورة تشكّل تحالف ثلاثي مضاد يضم تركيا وباكستان والسعودية.
الطرح، في ظاهره، يبدو متماسكًا؛ فهو يربط بين تحركات سياسية متفرقة، ويضعها داخل سردية واحدة تُفسّر ما يجري باعتباره “خطة كبرى”.
لكن المشكلة أن هذا النوع من السرديات، رغم جاذبيته، غالبًا ما يخلط بين الوقائع وتفسيرها، ثم يقفز مباشرة إلى استنتاجات حاسمة.
وهنا تحديدًا تبدأ الحاجة إلى التفكيك.
أول ما يقوم عليه هذا الطرح هو فكرة أن ما يحدث في المنطقة هو تنفيذ لمشروع تقسيم منظم.
لكن قراءة أكثر دقة في منطق الجغرافيا السياسية تكشف أن التفكك الحالي في دول مثل سوريا والعراق ولبنان واليمن لا يُدار من غرفة عمليات واحدة، بل هو نتيجة تآكل داخلي طويل، تداخلت فيه الصراعات المحلية مع التدخلات الإقليمية والدولية.
بمعنى أدق:
ما نراه ليس “خطة تقسيم”، بل قابلية للتفكك حين تتعرض الدولة لضغوط تفوق قدرتها على الاحتمال.
النقطة الثانية في الطرح تربط هذا “المشروع” بدور إسرائيلي مباشر، مستندة إلى تصريحات وخطابات سياسية.
لا شك أن إسرائيل، خاصة في عهد بنيامين نتنياهو، تسعى لإعادة تشكيل موقعها في المنطقة، عبر توسيع تحالفاتها وتطبيع علاقاتها، مستفيدة من تحولات عميقة في البيئة الإقليمية.
لكن تحويل هذا السلوك إلى “خطة لتقسيم المنطقة” يتجاهل حقيقة أبسط:
إسرائيل تاريخيًا لا تحتاج إلى تقسيم الدول بقدر ما تستفيد من ضعفها.
وهذا فارق مهم؛ لأن إدارة بيئة مفككة شيء، وصناعة مشروع تقسيم شامل شيء آخر أكثر تعقيدًا وتكلفة، ولا توجد مؤشرات حقيقية على وجوده بهذا الشكل المركزي.
أما الجزء المتعلق بالإمارات، فيفترض أنها بصدد الانسحاب من أطر إقليمية مثل منظمة أوبك وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، تمهيدًا للدخول في تحالفات جديدة تقودها إسرائيل.
لكن هذا الاستنتاج يتجاوز الوقائع المتاحة.
الإمارات بالفعل تتبنى سياسة خارجية براغماتية للغاية، وتعمل على تنويع علاقاتها، بما في ذلك الانفتاح على إسرائيل، لكنها لم تنسحب من هذه الأطر، بل ما زالت تتحرك داخلها بالتوازي مع بناء مسارات أخرى.
ما يبدو كـ “تحول جذري” هو في الحقيقة:
إعادة تموضع داخل النظام الإقليمي، لا خروجًا منه.
الجزء الأخير من الطرح يدعو إلى تشكيل تحالف ثلاثي بين تركيا وباكستان والسعودية، باعتباره جدار صد استراتيجي في مواجهة هذه التحولات.
نظريًا، يبدو هذا الطرح مغريًا، لأنه يجمع بين عناصر قوة حقيقية:
قدرة عسكرية، ثقل اقتصادي، وعمق ديني.
لكن عمليًا، يتجاهل أن هذه الدول نفسها تتحرك وفق حسابات معقدة، وتحتفظ بعلاقات متشابكة مع قوى دولية وإقليمية متعددة، ما يجعل فكرة “التحالف الصلب” أقل قابلية للتحقق مما تبدو عليه في الخطاب.
العالم اليوم لا يُدار بمحاور مغلقة بقدر ما يُدار بشبكات مرنة من المصالح، وهو ما يجعل أي تصور لتحالف حاسم ونهائي أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع.
أن الطرح الذي بدأنا به لا يخلو من إدراك حقيقي لخطورة المرحلة، لكنه يقع في فخ شائع:
تحويل الفوضى إلى خطة، والتعقيد إلى مؤامرة، والتغير إلى مشروع مكتمل.
الحقيقة، كما تبدو من قراءة أكثر هدوءًا، أن الشرق الأوسط لا يُعاد رسمه بقرار واحد، ولا يُقسَّم وفق مخطط مركزي، بل يتشكل تدريجيًا عبر توازنات مختلة، وصراعات مفتوحة، وتحالفات متغيرة.
وبين كل ذلك، قد تبدو النتيجة وكأنها “تقسيم”…
لكن الطريق إليها لم يكن خطة، بل سلسلة طويلة من الانهيارات غير المتزامنة.