رؤي ومقالات

سلام مسافر يكتب:تفكيك لغز دوغين ( 4)

اكتشف دوغين معان خفية في أغاني المطربة تاتيانا بولانوفا “الدعوة الصاخبة للأعماق الأخيرة”، وفي كلمات الموسيقار والشاعر الغنائي كونستانتين ميلادزه “الوصايا الجديدة والكشف المقدس”.
جادل المعجبون والكارهون – هل هو جاد أم ساخر؟ لكن الصداقة مع كوريخين، مؤلف كتب الطلاسم و الأسرار، لا تترك أي شك في طبيعة تصريحاته.من قبيل “هناك كتب، لكن بوتين لا يقرأها”
انتهت المهنة الأكاديمية والنشاط الجماهيري الشعبي العام 2014، بعد ضم شبه جزيرة القرم وبداية الحرب في اقليم ” دونباس”و كان دوغين واحدا من أكثر المؤيدين لنوفوروسيا والضم الإضافي للأراضي الأوكرانية. و فجرت دعوته إلى “القتل والقتل والقتل” غضب ممثلي السلطات الأوكرانية في المجتمع الروسي، وتم الاستغناء عنه في جامعة موسكو الحكومية. ووصف دوغين إقالته بأنها سياسية ووعد بالتواصل مع بوتين لتحقيق العدالة لكنه لم يستطع الحفاظ على وظيفته.
يعتقد إيغور تورباكوف ان شعبية دوغين بلغت الذروة العام 2014 عام ضم القرم الى روسيا وكان قد اسس نشاطه الجماهيري على مدى سنوات إلى ما يصفه الكرملين بالحق التأريخي واستعادة الاراضي المغتصبة ، ولكن سرعان ما حرم من كرسي الجامعة والوصول إلى القنوات التلفزيونية.
و اتضح أنه غير مقبول بالنسبة للإدارة الرئاسية.
“بعد العام 2014، انخفضت اتصالاتي مع الكرملين بشكل حاد” أشار دوغين على صفحات جريدة ” الغد” التي يرأس تحريرها الشاعر الروائي ألكسندر بروخانوف المعروف بمواقفه القومية الروسية الصلبة وصاحب المقالات اللوذعية في نقد سطوة الأوليغارشية على مقدرات روسيا وغالبية ممثليها يهود تلميحا او تصريحا.
وقال دوغين للصحيفة :
“أعترف بأنني أشعر بخيبة أمل إلى حد كبير من بوتين”،منوها إلى تعامله السيء مع “الربيع الروسي”.
بيد ان النخب الروسية لم ترفض بالمطلق خدمات دوغين . ففي الفترة 2016-2017 ترأس تحرير قناة تسارغراد التلفزيونية، المملوكة لرجل الأعمال الأرثوذكسي كونستانتين مالوفييف.
رعى مالوفييف تعاون النشطاء الموالين للحكومة مع الحركات اليمينية المتطرفة في أوروبا والولايات المتحدة، وظل دوغين يتمتع بشعبية وسط اليمين المعتدل والمتطرف في القارة العجوز. و يلاحظ تورباكوف أن دوغين حافظ على صلات مع الأوساط الأكاديمية والأيديولوجية في الصين وإيران وتركيا – وهي بلدان ذات مشاعر قوية معادية للغرب.
تحدث دوغو بيرينشيك، وهو سياسي وأيديولوجي تركي، وصفه الصحفيون بأنه مستشار غير رسمي للرئيس رجب طيب أردوغان، عن عائلة دوغين بأنهم “أصدقاء تركيا”.
و افترضت المنشورات المحلية أنه يمكن استخدام اتصالات دوغين مع بيرينشيك كقناة للتقارب الروسي التركي في العام 2016.
ادعى بيرينشيك أن دوغين هو الذي أعطى مستشاري أردوغان معلومات حول الانقلاب العسكري في 14 يوليو 2016. لكن لا يوجد تأكيد لكلماته.
يعتقد إيغور تورباكوف أن قرب المفكر من السلطات الروسية مبالغ فيه إلى حد كبير: “الأعمدة التي تسميه دماغ بوتين تضعني في حال الذهول”.
اشتكى دوغين نفسه في العام 2020 من أن بوتين لا يتبع الأفكار الصحيحة. وكتب يقول “هناك كتب، لكن بوتين لا يقرأها، وكان يجب أن يقرأها. إما أنه يقرأ، لكنه لا يفهم، أو يقلب الصفحات فقط.”
نشر عالم الاجتماع والسياسة يوري بوششايف مقالا. في مجلة معهد العلوم الاجتماعية التابع لأكاديمية العلوم الروسية (INION) عن الفيلسوف ألكسندر دوغين بعنوان “المشهد الأيديولوجي لروسيا الحديثة: الدولة والمشاكل. تم نشر الجزء الأول في العدد الرابع من المجلة لعام 2024. يرى فيه أن ظاهرة دوغين هي نتاج “اضطراب الثمانينيات والتسعينيات وحسب رأي الكاتب فان دوغين “يحاكي الفكر الروسي المحافظ ولكن لا علاقة له بهذا الفكر”.
حدد بوششايف، مرشح الفلسفة، و كبير الباحثين في قسم الفلسفة في (INION) لنفسه هدف مراجعة “المشهد الأيديولوجي” لروسيا الحديثة. محللا مفاهيم دوغين وأيديولوجيته حول ” العالم الروسي” إلى “الجزء المحافظ من المجال الأيديولوجي”و يكرس له الجزء الأول من المراجعة.
يقسم بوششايف المجال الأيديولوجي الروسي الحديث إلى عدة قطاعات: المحافظون واليساريون والليبراليون وقطاع القوميين الروس و”الأوراسيون”. و يعتبر التيار المحافظ “الأقل أيديولوجية” مقارنة بالأيديولوجيات الأخرى.
يذكر المؤلف ان التيار المحافظ هزم ، بعد “الثورتين الراديكاليتين” في عامي 1917 و1991-1993. وان التيار بدأ يتشكل مرة أخرى من الصفر، وبدأ في استعادة نفوذه في المجتمع، كما يلاحظ بوششايف.
على هذه الخلفية، وفقا لرأي الباحث نشا ، مفهوم ” هجين” تمثله حزمة أفكار دوغين “تحاكي التيار الروسي المحافظ ؛ لكن لا تمت له بصلة في
الواقع ”
يتساءل المؤلف عن مدى مبرر فكرة دوغين كفيلسوف روسي عظيم. ويكتب “يقال الكثير عن ألكسندر دوغين ، لكن لا يقرأه سوى قلة”.
يدعي الباحث أن فلسفة التقليدية المتكاملة وأفكار الثورة المحافظة الثانية، الواردة في أعمال دوغين ، لا علاقة لها عمليا بالتقاليد الروسية وتاريخ الفكر الروسي. ويضيف: “علاوة على ذلك، فإن كلا هذين المذهبين في النقاط المهمة يتباعدان بشدة معهما”.
يعتقد بوششايف أن وجهات نظر دوغين بعيدة كل البعد عن الأرثوذكسية. وان شهرته ترجع إلى انه “فيلسوف محافظ مفترض و سياسي مفوه “، و وفقا لعالم السياسة والاجتماع فان “هناك طلبا واضحا في المجتمع للاتجاه و للنهج المحافظ، ولكن المتعلمين، وعلى وجه الخصوص، المجتمع الأكاديمي لا يتوافق مع هذا”.
ويخلص المؤلف:
“على هذه الخلفية، يأخذ دوغين مكان شخص آخر”. يعتقد أن هذا حدث بسبب “المصائر التاريخية والأيديولوجية السياسية لروسيا” في القرن العشرين، مما أدى إلى الهزيمة التاريخية للتيار المحافظ الروسي .
يقول بوششايف:
“إن ظاهرة دوغين وأفكاره هي نتاج الاضطرابات الروسية في الثمانينيات والتسعينيات، فضلا عن الضعف الأيديولوجي والسياسي للقوى الوطنية المحافظة آنذاك على الرغم من الشجاعة الشخصية لممثليها والمدافعين عنها”.
ويلاحظ:
“هذا الاضطراب أدى إلى ظهور أنواع مختلفة من عمليات البحث الروحية الغامضة والموحلة”.
ويضيف أن دوغين هو إلى حد كبير “عارض للفلسفة والأيديولوجية و من المستحيل عدم ملاحظة إخفاقاته في العرض ، وحقيقة أنه يستجيب لمطالب معينة من المجتمع ربما يكون هو الوحيد على المستوى الفلسفي من يتحدث بجرأة وبشكل مباشر ومعبر عن المواجهة بين روسيا والغرب”. حسب مقولة بوششايف.
في الجزء الأخير من المقال، ينتقد بوششايف مفهوم “العالم الروسي” الذي يستخدمه دوغين بنشاط في مقالاته وخطبه. هذا المصطلح، وفقا للمؤلف، منذ إدخاله في التسعينيات، تم استخدامه بشكل رئيسي”للاتحاد تحت عباءة الشعب الروسي في جميع أنحاء العالم اليوم، المتشعب الى حد كبير والذي يعاني من التجزئة “. ومع ذلك، فإن المصطلح “غير معرف و يتعثر تدريجيا اليوم عندما تعود روسيا إلى جذورها الحضارية”على حد تعبير الباحث .
الخلاصة:::
وفقا لدوغين ، لا توجد مبادئ عالمية عقلانية يمكن أن تستند إليها الفلسفة، ولكن على العكس من ذلك، فإن أي ثقافة لها عقلانيتها الخاصة و”شعاراتها” الخاصة. لذلك، تتمثل مهمة الفلاسفة الروس في إنشاء “فلسفة روسية خاصة للفوضى و بديلا للشعارات الغربية التي تدعي العالمية، والتي يخلق اعتمادها غير النقدي في المجتمع الروسي وضعا من الحداثة المصطنعة والسطحية .
يشير ناقدو دوغين إلى أن مشروعه لإعادة إنشاء “فلسفة الفوضى الروسية” يعاني من القصور في عدة وجوه.
أولا، أفكار دوغين حول جوهر أوروبا الغربية الحديثة وبالتالي العناصر التأسيسية للحداثة الروسية؛ مستمدة بشكل رئيسي من أعمال النقاد الغربيين للحداثة ، مثل رينيه جينون ومارتن هايدغر.
فمن جهة ، يتم تضمينها ضمن “الشعارات الغربية” و كجزء لا يتجزأ منها، ومن ناحية أخرى، بسبب توجهها الجدلي الأصلي، فإنها تعطي صورة مشوهة لجوهر الحداثة.
يشير ناقدو دوغين إلى أن أفكاره حول الطبيعة القديمة الراديكالية للشعب الروسي، والتي، في رأيه، لم تصل حتى إلى مستوى العصور الوسطى الأوروبية، تستند بشكل أساس إلى تكهنات المؤلفين الغربيين حول “الشعوب غير الغربية المتخلفة”. وهكذا، بدلا من الدراسة الشاملة الموعودة لدرجة وعمق تحديث المجتمع الروسي، وكذلك عناصر هذا التحديث، يقدم دوغين سلسلة من الصور الكاريكاتورية المستعارة من الفلاسفة الغربيين ويقدم توصيات، بسبب سطحيتها، من غير المرجح أن تكون ذات أهمية للدولة والمجتمع.
ويرى هؤلاء ان إبداع ألكسندر دوغين، الذي يصنف نفسه على أنه “فيلسوف وعالم سياسي وعالم اجتماع” له عدد من الميزات، أولها ، كونه كاتبا مثقفا جدا، غزير الإنتاج (فقط في العام 2017 نشر أربع مؤلفات كبيرة)، يعد قارئه كثيرا ويخبره بالكثير، ولكن في النهاية اتضح دائما أنه من المستحيل التوصل إلى أي استنتاجات إيجابية مما قيل. في الواقع، إذا أعلن المؤلف الذي يكتب عن آفاق الفلسفة الروسية أن “السياسة هي نتيجة للفلسفة والعكس خاطئ” فإن للقارئ الحق في أن يتوقع منه عرضا لهذه الفلسفة بالذات، والتي ينبغي أن تحدد السياسة، وبالتالي مستقبل روسيا، وربما العالم بأسره.
يمكن أن يكون “ما بعد الفلسفة” بمثابة نقش يسم كل أعمال دوغين الفكرية تقريبا. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه في دراساته المخصصة لهايدغر للفترة 2010- 2015، لا يزال ألكسندر دوغين يحدد بعض التدابير العملية التي كان من المفترض أن تؤدي في المستقبل إلى إنشاء الفلسفة الروسية والشعارات الروسية والمبدأ الروسي.
الدكتور الكسندر غليبوفيتش دوغين لا يقدم أي توصيات محددة وعملية؛ مما يترك للقارئ الحق في التفكير في ما ينبغي أن تكون عليه “فلسفة الفوضى الروسية”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى