د.أسامة بوشماخ يكتب :الحروب القصيرة التي يحلم بها الغرب والحروب الطويلة التي يخوضها الآخرون

هناك خطأ يتكرر بإصرار في الاستراتيجية الغربية منذ ثلاثين عاما، الاعتقاد بأن التفوق التكنولوجي والمالي والدبلوماسي قادر على تحويل كل صراع إلى حملة سريعة، جراحية، تكاد تكون إدارية.
يتم الدخول في الحرب على أمل زعزعة استقرار العدو خلال أسابيع، وكسر إرادته السياسية، وإحداث انقسامات داخلية، واستبدال الواقع بالرغبة، ثم يمر الوقت فلا تنتهي الحرب، ولا ينهار العدو، ويكتشف الجهاز الغربي أنه ربما ربح العديد من المعارك التكتيكية، لكنه لم يعد يعرف جيدا ما هو هدفه الاستراتيجي.
وهنا تكمن النقطة الجوهرية غالبا ما يخوض الغرب حروب اختيار، بينما يخوض الآخرون حروب بقاء، والفرق حاسم فمن يقاتل لأنه يرى أنه يدافع عن وجوده الوطني، وعن أرضه، وعن استمراريته التاريخية، يكون مستعدا لتحمل تكاليف هائلة، أما من يقاتل لأنه يعتقد أنه يدير توازنا عالميا، فيكتشف سريعا أن الرأي العام يتعب، وأن الميزانيات تستنزف، وأن الصناعات العسكرية لا تواكب الوتيرة، وأن التحالفات تبدأ في التصدع.
🛑إيران ومنطق الزمن
في الحالة الإيرانية، كان الوهم يتمثل في ضغط سريع الضرب، العزل، الإضعاف، وربما التسبب في انهيار داخلي، لكن إيران ليست هدفا بسيطا، فهي دولة-حضارة، تمتلك عمقا تاريخيا، وثقافة استراتيجية، وجهازا أمنيا متجذرا، وسكانا اعتادوا منذ عقود على العيش تحت العقوبات والتهديدات والحصار الدبلوماسي، فالتفكير في كسرها عبر حرب قصيرة يعني عدم فهم طبيعة المواجهة نفسها.
كلما مر الوقت، تزداد الأوضاع سوءا بالنسبة لمن تصوروا نصرا سريعا، فالزمن ليس محايدا حين ينقلب إلى سلاح، يعمل ضد من وعدوا بنتائج فورية، ويخدم من يعرفون كيف يحولون الصمود إلى شرعية سياسية.
بالنسبة لطهران، كما هو الحال بالنسبة لموسكو وللفلسطينيين، تدرك الحرب كمسألة وجودية و اختبار بقاء، وهذه الرؤية بالذات تجعل من المستحيل الوصول إلى حل عسكري صرف.
🛑التقييم العسكري: التفوق التقني مقابل العمق الاستراتيجي
من الناحية العسكرية تكمن العقدة بوضوح، تمتلك الدول الغربية أسلحة متطورة، وقدرات فضائية، وسلاح جو متقدم، واستخبارات إلكترونية، وقوة بحرية، لكن هذه الموارد لا تكفي عندما يرفض الخصم خوض المعركة في الميدان الذي يختاره الغرب، فإيران مثل غيرها من الأطراف الخاضعة للضغط، تعتمد على الانتشار، والتكرار، والصواريخ، والطائرات المسيرة، والميليشيات الحليفة، والحرب غير المتكافئة، والقدرة على جعل كل خطوة للعدو مكلفة.
مشكلة الغرب نقص القدرة على الاستمرار، فالحروب الطويلة تتطلب مخزونات، وإنتاجا صناعيا، وتوافقا داخليا، وأهدافا واضحة، والقدرة على تحمل الخسائر السياسية، وتكشف أوروبا، على وجه الخصوص عن تناقض تتحدث بلغة الحزم، لكنها لا تمتلك لا الاستقلالية العسكرية ولا التماسك السياسي اللازمين لخوض صراعات طويلة، هي حاضرة لكنها غالب لا تعرف تماما لماذا، أما الآخرون فيعرفون سبب قتالهم.
🛑السيناريو الاقتصادي: الحرب كاستنزاف
على الصعيد الاقتصادي، تقاس الحرب الطويلة فضلا عن قوة الأسلحة بقدرة الأنظمة الإنتاجية على الصمود، فالعقوبات والحصار والضغوط الطاقوية والمالية قد تضعف الخصم، لكنها تعيد أيضا تشكيل مسارات التجارة العالمية، لقد تعلمت إيران العيش في اقتصاد مقاومة، وأعادت روسيا توجيه جزء من بنيتها الإنتاجية، وتراقب الصين وتبني بدائل للقنوات التي يهيمن عليها الغرب.
أما أوروبا، فقد تجد نفسها في الوضع الأكثر حرجا، معتمدة على الولايات المتحدة في أمنها، وهشة في مجال الطاقة، وضعيفة صناعيا، ومعرضة لردود الفعل التجارية، وغير قادرة على فرض خط مستقل فعليا.
وهكذا تصبح الحرب الطويلة بمثابة ضريبة جيوسياسية دائمة ترفع تكاليف الطاقة، وتحول الموارد نحو إعادة التسلح، وتقلص الاستثمارات المدنية، وتضغط على الدولة الاجتماعية، وتزيد من التبعية التكنولوجية والعسكرية.
🛑التقييم الجيوسياسي والجيو-اقتصادي
لا يقتصر الرهان على إيران وحدها ولكن يتعلق بالنظام العالمي ايضا، فكل حرب يتخيلها الغرب محدودة، تنتهي غالبا بتسريع بناء نظام بديل، فالقوى الخاضعة للضغط لا تستسلم، وإنما نراها تقترب من بعضها البعض. تنظر روسيا وإيران والصين وجزء متزايد من الجنوب العالمي إلى هذه الصراعات كدليل على أن النظام الدولي الذي يهيمن عليه الغرب لا يضمن الأمن يقدر ما يفرض التبعية.
وهنا تتولد البعد الجيو-اقتصادي للصراع طرق طاقة بديلة، وتبادلات بعملات غير الدولار، واتفاقات عسكرية موازية، وشبكات تجارية تفلت من الرقابة الغربية، فالحرب تنتج أيضا هياكل جديدة للسلطة، وغالبا ما تنتجها ضد من أرادوا استخدامها للحفاظ على تفوقهم.
🛑المفارقة الغربية
تكمن المفارقة في أن الغرب يدخل الصراعات مقتنعا بأنه سيظهر قوته، لكنه غالبا ما ينتهي بإظهار حدوده، يريد حروبا سريعة لأنه لا يستطيع تحمل حروب طويلة، يريد نتائج سياسية دون تحمل كلفة التحول الحقيقي، يسعى لإضعاف خصومه لكنه يدفعهم في النهاية نحو أشكال أكثر تماسكا من التعاون.
بهذا المعنى، تنتمي إيران وروسيا وفلسطين إلى سياقات مختلفة، لكنها تخضع لمنطق واحد عندما يعتبر شعب أو دولة أن الهزيمة تعني الزوال أو الإذلال أو الخضوع الدائم، تتغير الحربو تصبح صراع إرادات. وفي التاريخ، كثيرا ما صمدت الإرادة أكثر من التكنولوجيا. عرض أقل