حسام السيسي يكتب :مأساة الجغرافيا المستسلمة
الشرق الأوسط يُعاد تشكيله... والعرب خارج غرفة الخرائط

في خضم الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، والتصعيد المستمر بين إسرائيل ومحور المقاومة، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك نحو مرحلة جديدة تختلف عن كل ما عرفناه منذ نهاية الحرب الباردة.
المشهد الظاهر يوحي بأننا أمام جولة أخرى من جولات الصراع المعتادة. صواريخ تُطلق. قواعد تُستهدف. تصريحات تتبادلها العواصم. ثم تعود الأطراف إلى الحديث عن ضبط النفس ومنع التوسع.
لكن ما يجري تحت السطح أكثر أهمية بكثير من الضربات نفسها.
فالشرق الأوسط لا يشهد مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل يعيش عملية إعادة تشكيل تدريجية لقواعد القوة والنفوذ والأمن الإقليمي.
والسؤال الحقيقي لم يعد: من ربح هذه الجولة؟ أو من خسر تلك الضربة؟
بل: من يرسم خرائط الشرق الأوسط الجديد؟
المفارقة أن أغلب النقاشات الإعلامية تنشغل بعدد الصواريخ والطائرات، بينما تغفل التحول الأعمق.
فعندما تعلن القيادة المركزية الأمريكية اليوم أن قواتها ستظل في حالة جاهزية كاملة للرد على أي عدوان إيراني، فإن الرسالة لا تتعلق فقط بالرد العسكري.
امريكا تبرهن بهذا التصريح على أن ايران لم تعد مجرد دولة إقليمية محاصرة، بل لاعب قادر على فرض كلفة على خصومه وعلى شبكة المصالح الأمريكية نفسها.
أما إسرائيل فتتحرك باعتبارها القوة الأكثر اندفاعًا نحو فرض وقائع أمنية جديدة بالقوة المباشرة.
وهنا تبدأ ملامح المشهد الجديد بالظهور.
لسنوات طويلة كان الشرق الأوسط يقوم على معادلة واضحة: تفوق عسكري إسرائيلي. مظلة أمريكية. #أنظمةعربية تبحث عن الاستقرار. وقوى إقليمية تناور داخل الحدود المرسومة لها.
اليوم تتغير هذه المعادلة.
إيران لم تعد تتصرف كدولة تسعى فقط إلى تجنب الحرب. وإسرائيل لم تعد تكتفي بإدارة التهديدات عن بعد. والولايات المتحدة تبدو حريصة على الحفاظ على الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
إنها معادلة جديدة عنوانها: إدارة التصعيد بدلًا من منعه.
ولهذا تبدو بعض السلوكيات العسكرية غريبة للوهلة الأولى.
فإذا كانت إيران قادرة على تهديد القطع البحرية الأمريكية في الخليج وبحر العرب، فلماذا تختار استهداف قواعد برية في الأردن أو الخليج؟
الإجابة المحتملة أن الهدف ليس تدمير الخصم بقدر ما هو إعادة تعريف قواعد الاشتباك.
فاستهداف سفينة أمريكية قد يفرض حربًا واسعة لا يريدها أحد.
أما استهداف قواعد عسكرية موزعة في المنطقة فيحمل رسالة مختلفة: إثبات القدرة على الوصول. وتوسيع دائرة المخاطر. وإشراك أطراف إقليمية إضافية في حسابات الصراع.
بمعنى آخر، نحن أمام حرب رسائل استراتيجية بقدر ما نحن أمام حرب صواريخ.
لكن وسط هذا المشهد يبرز سؤال أكثر إزعاجًا.
أين #العرب؟
ليس المقصود هنا الجغرافيا. فالمعارك تدور فوق أراضٍ عربية أو بالقرب منها. والقواعد المستهدفة تقع داخل دول عربية. وطرق الطاقة والتجارة التي تحدد أهمية المنطقة تمر عبر المياه العربية.
لكن الحضور الجغرافي شيء. والحضور الاستراتيجي شيء آخر.
ففي الوقت الذي تتنافس فيه إيران وإسرائيل على إعادة تعريف قواعد الردع، وتتحرك الولايات المتحدة وتركيا لحماية مصالحهما ومناطق نفوذهما، يبدو النظام العربي غائبًا عن عملية صياغة المستقبل.
لا أحد يتحدث عن مشروع عربي للأمن الإقليمي. ولا عن رؤية عربية موحدة لشكل المنطقة القادمة. ولا عن قدرة عربية جماعية على التأثير في اتجاه الأحداث.
ولهذا يشعر كثيرون أن العرب تحولوا من صناع للتوازنات إلى ساحات تتقاطع فوقها التوازنات.
قد يكون هذا الحكم قاسيًا. لكنه ليس بعيدًا عن الواقع.
فالفرق بين امتلاك الموارد وامتلاك التأثير هو امتلاك المشروع.
والمشكلة ليست في نقص الموارد العربية. بل في غياب الإرادة الجماعية القادرة على تحويل هذه الموارد إلى قوة سياسية واستراتيجية.
لهذا فإن أخطر ما يحدث اليوم ليس تبادل الضربات بين إيران وإسرائيل. ولا حتى احتمالات المواجهة بين واشنطن وطهران.
الخطر الحقيقي يكمن في أن قواعد الشرق الأوسط الجديد قد تُرسم بينما يقف العرب خارج غرفة الخرائط.
وعندما تنتهي مرحلة إعادة التشكيل، قد يكتشف الجميع أن السؤال لم يكن يومًا: من انتصر في الحرب؟
بل: من كان حاضرًا عندما أُعيد رسم المنطقة؟