
هذا الخريفُ ليس مألوفًا؛
يتعكَّزُ على غبار الممرّات،
ولا يمنحني حتى خرمَ إبرةٍ من الوقت
لأجمعَ شتاتَ الوجوهِ التي تساقطتْ مني سهوًا.
يأتي خفيفًا كفكرةٍ مجنونة،
لكنه يحملُ في جرابِهِ ثقلَ السنوات،
تلك التي كتمتُ صُراخَها طويلًا
حتى صارَ للصمتِ أنشوطةٌ حولَ العُنق.
كنا ننتظرُ المطرَ كي يغسلَ الزجاج،
فإذا بالريحِ تخلعُ الأبوابَ عن دواخلِنا،
تذرُو الهباءَ الذي تراكمَ خلفَ الرفوف،
تكشفُ العُريَ الكاملَ لِلأشياء.
لا تصبغْ حياتي بالرماديّ،
ولا تُطفِئ القنديلَ الوحيدَ في الممر.
دعْ ربيعي يبقى؛
دعِ العشبَ يقاتلُ تحتَ الأنقاض،
والزهرَ المتمردَ يرفعُ رأسهُ بوجهِ العاصفة.
يا غضبَ السنينِ المخبّأَ تحتَ القميص،
يا جمرةً طالَ عليها الرماد؛
اقفزْ الآنَ خارجَ الهيكل،
اشعلْ هذا الركودَ الذي سُمّيَ حكمة،
واحمِ المساحةَ الخضراءَ الأخيرةَ في الروح.
لم يعد في العمرِ متسعٌ للمُداراة،
لا للأوراقِ التي تسقطُ باعتذارٍ شاحب.
هذا الخريفُ يكتبُ نصَّهُ بالأظافر،
لكنني سأقبضُ على جمرِ الربيع…
بلا دروعٍ،
بلا انحناء.
بقلم:
ماري العميري