
شهدت العقود الأخيرة إصراراً متزايداً من رجالات المؤسسات الدينية التقليدية، وعلى رأسهم شيوخ الأزهر، على تصدير خطاباتهم بالتركيز على أن “الدين علم لا يستوعبه إلا المتخصصون”.
وفي محاولة لشرعنة هذا الادعاء ومنح أنفسهم وصاية معرفية، أطلقوا على أنفسهم لفظ “علماء”، ودأبوا على مقارنة تخصصهم بوعي زائف بالعلوم التطبيقية كالطب والهندسة.
غير أن الفحص المعرفي والتاريخي الدقيق لهذه المقارنة يكشف عن هوة سحيقة تجعل من تسمية “علوم الدين” أو “العلماء” تسمية غير صحيحة ومجافية للحقيقة.
طبيعة العلم المعرفية:
أين الابتكار والتفنيد؟إن العلم، في تعريفه الفلسفي والوضعي الحديث، هو منظومة معرفية تقوم بالأساس على الملاحظة، التجربة، وقابلية الخطأ والتفنيد (Falsifiability).
العلم الحقيقي هو كائن حي، متغيّر باستمرار، لا يقف عند حد، حيث تولد النظريات الجديدة لتثبت خطأ سابقتها أو تطورها، وهو ما نراه عياناً في ثورات الطب والهندسة والفيزياء.
في المقابل، يقوم الدين – وتحديداً الإسلامي – على ركنين ثابتين قطعيين: القرآن والسنة الصحيحة. وهما نصان ثابتان عابران للزمن لا يقبلان التغيير، أو التطوير، أو الفحص المخبري.
وإزاء هذا الثبات المطلق، لم يقدم التاريخ الطويل لما يُسمى “علوم الدين” عبر القرون الثلاثة الأولى وما تلاها أي جديد؛ بل انحصرت الجهود في شروح للمتون، وشروح على الشروح، وإضافة حواشي وتقسيم للمقسّم في حلقة مفرغة من الاجتزار اللفظي.
إن فهم الدين وتشكل العقيدة والضمير هي أمور ذاتية وفطرية تماماً، لا تتطلب أكثر من إجادة اللغة واستيعاب مبادئ الحق والخير الإنسانية الرفيعة والطقوس السهلة التي يمكن التعرف عليها لمرة واحدة لينتهي الأمر، دون حاجة لحشود ترتدي رداء “العلماء”.
من الحواشي إلى التطرف: غياب الإنتاج المعرفي
إن تتبع الأطروحات الأكاديمية والرسائل التي تمنحها هذه المؤسسات لبعضها البعض بدرجات علمية تنظيمية، يكشف بوضوح عن غياب كامل للبحث العلمي بمعناه الحقيقي.
فلا توجد رسالة علمية واحدة تقدم كشفاً جديداً أو تستحدث تطويراً يخدم البشرية، بل هي مجرد إعادة تدوير للتراث.
والأخطر من ذلك، أن كثيراً من تلك الشروح الفردية التاريخية أصابها الشطط، وتحولت بفعل الجمود وبُعدها عن المنهج العلمي إلى أدوات كرست للفرقة، والعنف، والتطرف، وكراهية الغير، بعد أن تم انتزاعها من سياقها التاريخي ومعاملتها كحقائق مطلقة.
فالعلوم المدّعاة لم ولن تغير ثوابت واضحة مثل عدد ركعات الصلوات أو تحرم الأخلاق الفطرية كتحريم الكذب والخيانة والقتل، مما يؤكد أن دور هذه الفئة ليس إنتاجاً علمياً بل احتكاراً إجرائياً للفهم.
التضخم البيروقراطي والتوظيف السياسي
إن الكيان الحالي للمؤسسات الدينية، وفي مقدمتها الأزهر، ليس نتاجاً لتطور معرفي، بل هو صنيعة التقلبات السياسية والتبادل النفعي مع السلطة عبر العقود. ففي الوقت الذي استُخدمت فيه هذه المؤسسة كأداة دينية لتكريس السلطة السياسية وشرعنة أعمالها، استفادت هي في المقابل بالتوسع، والتضخم البيروقراطي الهائل، وزيادة النفوذ المجتمعي حفاظاً على كيانها ووجودها.
هذا التضخم حوّل المؤسسة إلى جهاز وظيفي ضخم يضم مئات الآلاف، ليصبح الوجود المؤسسي في جوهره وسيلة لكسب الرزق والدفاع عن مصالح طبقية، دون تقديم إضافة حقيقية أو إنتاج علمي ينهض بالمجتمع.
خاتمة
إن إطلاق وصف “عالم” على من يقتصر دوره على حفظ ومنع ونقد وتكرار نصوص وشروح قديمة هو مغالطة اصطلاحية.
العلم رائد للمستقبل والتطوير،
بينما العمل المؤسسي الديني التقليدي هو حارس للماضي والجمود.
وعندما يمارس هذا الكيان المنع والقهر المعرفي على المفكرين من خارجه مستخدماً سلطة القانون، فإنه لا يدافع عن “علم”، بل يدافع عن احتكار السلطة والنفوذ ووظائف كسب الرزق،
مما يؤكد في النهاية أنهم “علماء بلا علم حقيقي”، وأنها تسمية غير صحيحة دُفعت دفعاً لشرعنة الوصاية على العقل البشري.