
عندما تقول حنة أرنديت: “إن العالم الثالث ليس حقيقة بل آيديولوجيا” فهي تلخص صورتنا السرية، وقيعاننا المخفية كشعوب شعارات وتصورات نمطية ولا تعيش في حياة بل في مجتمع تخيلي ” Imagined community”.
نحن ربما اخر مجتمع في العالم يحوّل احلامه الى أفعال وقرارات وحقائق في حين يحول الحقائق الى أوهام.
خلال حضورها محاكمة النازي أدولف أيخمان في القدس بعد اختطافه من الارجنتين عام1962 المتهم بالمحرقة، وضعت كتابا اثار غضب اسرائيل مع انها يهودية وناجية من معسكرات الاعتقال النازية بعنوان ” إيخمان في القدس: تفاهة الشر” .
قالت إنها لم تجد في ايخمان شخصا نازياً صاحب عقيدة بل شخصية تتسم بالضحالة الاخلاقية وانعدام الضمير و” قاتل مكتب” لا يصدر شره من عقيدة بل من فكرة الواجب والدونية.
لكن الزمن اثبت صوابية افكارها فليس كل شر ينبع من عقيدة او افكار او مبادئ بل تلعب الضحالة الاخلاقية والعدمية والبحث عن مكانة وهوية فردية دورا في صناعة الشر وعادة ما يكون سطحيا وغبياً بقناع جنون العظمة عكس الخير الذي يصدر من دوافع اخلاقية عميقة وصافية ومن ضمير حي.
مما أطلق حملة اسرائيلية شنيعة ضدها لأن الدعاية حاولت تصوير إيخمان كقاتل عنصري مؤمن بالنازية في حين قلبت أرنديت اللعبة على انه ليس عنصرياً ولا نازياً بل شخصية تافهة وسطحية وضحلة وشره يصدر من انحطاط اخلاقي وليس عن عقيدة. لم يترجم كتابها إلا في السنوات الاخيرة الى العبرية.
صديقها المقرب الفيلسوف الالماني كارل ياسبر كتب لها رسالة عام 1963:
” سيأتي زمان لن تكوني حية لتشهديه، سينصب لك اليهود نصباً تذكارياً في اسرائيل وينسبونك بفخر إليهم”.
في حين نطلق نحن على كل مجرم ومريض ومعتوه أو نصاب أو لص هوية عامة سياسية أو دينية وتلك مكافأة لهؤلاء الأشرار لتحويل الشر الى نظرية والجريمة الى مبادئ.
حنة ارندت مفكرة المانية ترفض لقب الفيلسوفة لانها منشغلة بالقضايا العامة التي تهم مصير الناس واعتقلت في زمن النازية
واطلق سراحها وهربت الى امريكا وهي من المع مفكري القرن العشرين،
ووضعت مؤلفات تعتبر مراجع فكرية ومنها: ” حياة العقل، بين الماضي والمستقبل، ما السياسة، في العنف، الوضع البشري، في الثورة: وأهم كتبها، إيخمان في القدس: تفاهة الشر “.
في هذا الكتاب نظرة ثاقبة لمفهوم الشر الذي قد لا ينبع من عقيدة أو أخلاق بل من ضمير ميت والضمير يضمر ويموت بعدم الاستعمال مثل أي عضو جسدي كما اثبت علم تشريح الدماغ، كما يصدر الشر من ذات مشوهة والتفسير السياسي أو العقائدي لهؤلاء القتلة هو انقاذ لهم على انهم ضحايا تصورات وافكار ومبادئ خاطئة وليسوا أنذالاً بلا ضمير ولا مبادئ بل يبحثون عن مكانة وهوية بين الحشود ويقتلون تحت عناوين مزيفة.
كانت أول من توقع إنهيار الاتحاد السوفيتي قبل انهياره بسنوات وشرحت الاسباب،ولها مفهوم صار مدرسة في تعريف السلطة التي قد تكون نظاما او تكون مؤسسة وقد تكون شخصاً وكل خضوع هو سلطة من أي مصدر،
وعدو السلطة هو الاحتقار أو الإستهزاء ، تقول أرندت، لأنهما ينسفان قاعدة التسلط التي تتأسس على رصانة زائفة وقوة وعنف.
ولو توقف الخاضع عن ممارسة الاحتقار والاستهزاء بالسلطة إنما يوافق على التخلي عن كرامته وحريته وحياته مهما حاول تبرير هذا التخلي
وهو اخطر ما في حياة البشر لأنه يعني حرفياً الإنتحار المقنّع البطيء
لانه يحول الشر الى قضية قابلة للنقاش والشر كالجهل لا يناقش. كيف تناقش الهراء بالمنطق بتعبير نيتشه؟
هل نعيش الواقع حقاً؟ وكيف نعيشه إذا كان نصفنا غاطساً في الأساطير
والنصف الآخر في الأوهام السياسية والحزبية؟ أي جزء فينا مرتبط بالواقع؟ الذاكرة؟ الوعي؟ الحذاء؟
نذهب الى الماضي لحل مآزق الحاضر، نقدس التاريخ التخيلي،لا نكتب تاريخ الحاضر. الحاضر في خدمة الماضي وليس العكس. ليس الماضي ميتاً بل هو الحاضر.
الحل في قطيعة فكرية تعيد صياغة الماضي الحي، وتدفن الجزء الميت منه. القطيعة لا تعني الانفصال بل التصفية من الشوائب وفي تاريخنا صفحات كثيرة مشرقة طمرت في الضجيج والتقديس الأعمى.
الحداثة تأسست على مفاهيم القطيعة والنقد والرهافة والمغامرة الفكرية وعلى التخطي والسؤال والحساسية الثقافية ونحن نعتبر هذه العناصر كأعراض مرضية.
كل النظم غير الديمقراطية تستعمل الرموز والأساطير والمرويات الشفوية لتعزيز سلطة الحاضر. من لا يُعتقل من الخارج كجسد، يُعتقل من الداخل برموز وأكاذيب وقواعد وتاريخ تخيلي ووقائع زائفة تتحول مع الوقت الى حقائق وتأسيس مجتمع الأسرى أو الغيتو أو السجن الواسع ولانه سجن بحجم وطن يبدو التسكع الابله فيه كحرية لان الحبال التي تربط الجميع غير مرئية.
هناك من حاول جرنا الى مستقبل وهم عن طريق الآيديولوجيا، ومن حاول جرنا الى مستقبل وهم عن طريق اليوتوبيا: في الحالتين في طرق مغلقة.
في الحالتين، اليسار واليمين، نحن أمام زمن تأسيس، وسؤال الحاضر لا يطرح على الحياة حسب هؤلاء، بل على الماضي وعلى النص.
كيف يمكن تغيير النظام من جمهور غارق بأساطير الماضي وأوهام الحاضر ومستقبل تخيلي من شبكة أوهام ومحاصر؟
كان غرامشي المفكر الايطالي يقول إذا تعذر علينا العمل من خلال مؤسسات النظام القمعية، فمن الواجب علينا العمل في مؤسسات المجتمع. في زمن غرامشي كان الفصل واضحاً بين المجتمع والنظام،
لكن كيف يكون العمل في مؤسسات مجتمع مدني هي نفسها بأساطيرها وأوهامها التاريخية ترسخ وتجذر النظام وبعضها مرتهن؟
كيف يمكن تغيير النظام، وهو يتعكز على نظام اجتماعي يمده بكل أسباب
البقاء والقوة والاستمرارية؟
هل نحن حقيقة أم اساطير وعقائد متخيلة؟ أم أوهام متنقلة وأساطير حية تمشي وليس في الأفق غير السراب والضباب؟
اذا كانت أرنديت تعتقد اننا لسنا بشراً بل ايديولوجيا، فلم يتح لها الوقت لتعرف اننا تطورنا كثيراً من آيديولوجيا الى معتقلات تمشي في شوارع ضاجة بالصمت ومزدحمة بالهياكل والانقاض والجثث الراكضة. عرض أقل