كتاب وشعراء

قصص قصيرة جداً.. بقلم الأديب: حسين بن قرين درمشاكي

الملاذ
أغلقت الأبواب السبعة. أسندت ظهرها لجدارٍ يضيقُ كنعش. تضخّم صدى نبضها، استحال قرعاً لطارقٍ يطرقُ جدرانَ حصنها. تطلّعت نحو النافذة؛ حيث يلهو صغيرُها خلف السور الحديدي، مِظلّتها التي تردُّ صخبَ العالم. فجأةً، مزّق الصمتَ صراخٌ حاد؛ إذ غرسَ الصغيرُ أظافره في القضبان. ينهشُ الصدأُ كفَّه، يبتلعُ بياضَ يدهِ ببطء. تراجعت للوراء. الحصنُ الذي كان يحمي، صار يُطبقُ على الحلمِ ويُقصي الأم.

صك
قاعةٌ باردة؛ تقريرانِ على الطاولة:
حجارةٌ تتحدى فوهةَ دبابة؛ صكٌّ ملوّنٌ يمنحُ السطو شرعيةَ القانون.
مرّرَ العجوزُ قلمَهُ.
خطَّ فوقَ عظامِ الطفل: خلافٌ في وجهاتِ النظر.
أُغلقَ الملف.
في الخارج، الرصاصُ يكتبُ الفصول.

توازي
تتراخى الجدران. يحكمُ قبضته على الغليون.
تستقر الإبرة. يملأ اللحنُ شقوق الفراغ.
يتساقط الغبار. يغادر السقفُ مكانه.
يُغمض عينيه. أنفاسه تضبط إيقاع القرص.
​ينهارُ الكون. يستمرُّ الدوران.

جدارُ النبض
تتلوّى في زاويةِ الذاكرةِ كخربشةِ نزيلٍ على جدارِ عزلته؛ خطوطٌ لا تستقيمُ إلا حين يقرعُ طيفُك أبوابَ النبض.. يرتجفُ الجدارُ.
نختنقُ بصمتٍ مُشترك.

سُمك النعل
يمسحُ حذاءه بالقارّات.
يرسمُ حدوداً، يطمسُ بلاداً.
ـ لماذا تدهسُ بيتي؟
يعدّلُ قبعته: أُعيدُ ترتيبَ الجاذبية لتُناسبَ قامتي.
هزَّ الصغيرُ بساطَ الأرض؛
سقطَ القلمُ، وانكسرتِ القامة.

جرد
رسمَ الخطوطَ. قبضَ الثمنَ. نامَ مطمئنًا.
استيقظَ فجراً؛ لا جدرانَ لغرفتِه، لا سقفَ يحميه.
ضمّوه إلى صفقاتِهم.
استحالَ بلا شبرٍ يواري عارَه.

سرابُ الطريدة
خلفَ الكثيبِ، تجمدتْ عيناهُ على غزالٍ يتهادى. ضغطَ الزناد.
دوتْ طلقةٌ.
لا غزالَ. لا أثرَ. فقط رمالٌ تذروها الرياح، وضحكةٌ تسخرُ منه.

انشطار
أراهم الأبُ حزمةَ قمحٍ. عجزوا عن كسرها. فكّ الرباط، فانشطرت أعوادُهم هباءً.
​رحل.
​مزّقوا الخريطة.
اقتسموا الفتات.
ظنّوه وطناً.
الرياحُ تحتسي حقولهم.

متكأ
ينحني الكرسي.
أستقدمه للاعتدال؛ يتشبث بميله.
أدفعه.
يرتد.
أترك الخشب.
أجلس على الأرض.
أسند ظهري للفراغ.

طنين
أودعتْ في كفّهِ الورقةَ.. غابتْ.
يُحدّقُ في الزحامِ بذهنٍ شائك.
فَتَحَ كفَّه..
الورقةُ.. نسيانُه!

تكيُّف
سقطَ الحاكم. صرخَ الشعبُ: حرية!.
الجلّادُ لم يندهش؛
اختارَ سوطاً أرقّ…

فَمُ المِلْح
هجير.
خيطٌ يجسُّ نبضَ الماء..
ارتعاشة!
سحبٌ ملهوف، وانكشاف.
حذاءٌ.. فاهٌ اتسعَ لقبلةِ الغرق.

مشيئة
أشارَ؛
فانكسرَ الإعصارُ،
وجثَتِ الأقلامُ.. تملي مشيئتَها.

حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى