
بينما تنشغل الشاشات الموجهة بتلميع واجهات الأسمنت، وتصدير صور المدن “الفاضلة” التي لا تسكنها سوى الأشباح والنخب المختارة، يرزح المواطن المصري تحت وطأة أزمة وجودية لم تعد تتعلق بمجرد “غلاء معيشة”، بل بكرامة تُنحر يومياً على مقصلة السياسات الفاشلة.
إن المشهد الحالي ليس سوى “تجريف شامل”؛ تجريف للأرض، للسياسة، وللإنسان نفسه.
النخبة “عادية” تبيع الوهم، لقد ابتليت البلاد بنخبة حاكمة تفتقر لأدنى درجات الإبداع أو الرؤية الخلاقة.
شخصيات “عادية” بلا كاريزما وبلا مشروع وطني حقيقي، تتصور أن فن الحكم يتلخص في “الاقتراض لغرض البناء”، بينما الحقيقة أنهم يبنون قصوراً من ورق فوق جبل من الديون.
هذه النخبة تتعامل مع الدولة كـ”غنيمة”، ومع الشعب كـ”أداة” لتمويل نزواتها الإنشائية بلا دراسات جدوي فهي تراها معطلة، متجاهلة أن عظمة الدول تُقاس بجودة تعليم أبنائها وصحة أجسادهم، لا بطول الكباري وفخامة القصور ومدن الأغنياء.
سحق الطبقة المتوسطة وتوحش الغابة باسم “الإصلاح الاقتصادي” المزعوم بعد أن تم إغراق الجنيه في بحر التضخم، لترتفع الأسعار بجنون بينما تتقلص الأجور والخدمات. والنتيجة؟ شعب يتطاحن في داخله. غاب القانون فظهر “قانون الغابة”؛ أغنياء يتهربون، تجار يحتكرون، وصغار يمارس جشعهم أقسى أنواع الضنك على الفقراء. مع فساد واستغلال صار هو “الأصل” الذي يسيّر المرافق والخدمات، وسط صمت نظام لا يجيد سوى فرض “الجبايات” وتقليص “الدعم” ليدفع المواطن البسيط فاتورة فشل إدارة لا تحاسَب.
الاستدانة: رهان على مستقبل الأحفاد إن السياسة الاقتصادية الحالية هي “انتحار مؤجل”. الاستدانة بالمليارات لسداد ديون قديمة، وعرض أملاك الشعب للبيع في “بورصة اليأس”، ليس حلاً بل هو رهنٌ لمستقبل الأجيال القادمة. نحن لا نبني لأحفادنا كما يدعون، بل نحن “نكبّل” أحفادنا بقيود من ديون لا تنتهي، في وطن تُباع أصوله قطعة قطعة لسد ثقوب الميزانية المهترئة.
الخلاص: كفاءات لا ولاءات إن المسار البديل ليس سراً؛ إنه رحيل هذا النهج المتسلط الذي يرى في المعارضة خيانة وفي النقد عداءً.
مصر بحاجة إلى “نظام كفاءات” يضع الإنسان المصري، بتعليمه وعلاجه وسكنه، على رأس الأولويات. نحتاج إلى دولة مؤسسات تحمي الضعيف من جشع القوي، وتعيد الاعتبار للعقل والإنتاج بدلاً من الأسفلت والديون.
لقد سئم الناس من وهم الوعود الكاذبة واللقطات التلفزيونية المصطنعة. النفق مظلم، والوهم في نهايته لم يعد ينطلي على أحد. فإما إنقاذ ما تبقى من كرامة هذا الشعب، أو انتظار الانفجار الذي لا يتمناه أحد، لكن الكل يراه يقترب في عيون المقهورين.