
العراقي اليوم كالهندي في فترة الاحتلال البريطاني لا هو مسيحي وبريطاني ولا هو هندوسي أو سيخي بعد أن تم تلقيحه بثقافة مختلفة من خارجه لكي ينسى من يكون ويصبح غريباً عن نفسه وبيئته وكما في الهند خلقت بريطانيا طبقة متعالية تتكلم اللغة الانكليزية، جرى في العراق خلق طبقة ثرية مرتبطة بالمصارف والاسواق العالمية أكثر مما هي مرتبطة بواقعها العراقي وهذه الطبقة تعيش في المنطقة الرمادية ومنها ستخرج الفئة الحاكمة التي تتقن لغة الخارج وتقرأ شفرات الداخل، تنال دعم الخارج وفي الوقت نفسه تسيطر على السوق المحلي وهي الأخرى طبقة مهجنة لا هي غربية ولا محلية بل انتهازية بلا ملامح واضحة وحلت التجارة محل الايديولوجيا وبدل الرفاق جاء النصابون بتعبير ميلان كونديرا.
هذا التهجين خلق الدولة الوظيفية التي نصفها في الخارج ونصفها في الداخل.
في كانون الاول 2019 وفي جلسة استماع اكد السفير الامريكي السابق في العراق دوغلاس سيليمان خلال استضافته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب , التي خصصت جلسات غير علنية لمناقشة الاوضاع في العراق ، قال:
” لدينا طبقة سياسية جديدة مستعدة لحكم العراق واعادته الى سابق عهده”.
لو حاولنا تفكيك لغة السفير أمام جلسة استخباراتية سياسية سنعثر على مرشح الوزارة اليوم: أولا، طبقة جديدة تعني غير الحرس القديم وهذه الطبقة جاهزة للحكم.
ثانيا: الطبقة الجديدة لا تعني تيارات أو أحزاباً بل نخبة برغماتية تجارية تخدم المصالح الامريكية بحكم تشابك المال والسياسة والمصالح والمصارف.
ثالثا: رئيس وزراء جديد لكن بسيرة غامضة أو في الأقل” غير مكشوفة”.
رابعا: يكون جسراً بين الشارع والأسواق والمصارف والمصالح الأجنبية والعربية.
خامسا: السفير واثق من وجود هذه الطبقة ومستعدة للحكم كما يقول، أي خضعت لدورة اعداد وتدريب وتأهيل طويلة وتراكمية وما يلوح ” كسيرة غامضة” ليست للولايات المتحدة، وظهور هذه الشخصية المفاجئ لا يعني ولادتها من الفراغ كما يظن السذج بل جاء بعد اختبارات وتجارب خلف الكواليس.
سادسا: لأن رأس المال جبان، فإن رئيس وزراء ملياردير يخاف من التغيير السياسي الجذري وملفات اليسار والمعارضة الشعبية العميقة والمثقفين ومشاريع الاصلاح التي تطالب باعادة صياغة النظام على أسس مختلفة، ويحتاج الى مظلة حماية أمريكية.
بعد الاحتلال الامريكي تعرضت ثلاثة كيانات للتفسخ والاحتضار وبلغة أدق للتدمير المنهجي المنظم عبر مراحل: الدولة والسلطة والمجتمع. الدولة مؤسسة خدمات محايدة ثابتة نسبياً لا علاقة لها بتغيير النظام السياسي كما يفترض في النظم الحديثة التي قد تشهد أزمة سياسية بلا حكومة لكن الدولة مستمرة في تقديم الخدمات بنظام التسيير الذاتي. قد تستمر الدولة سنة بلا حكومة لكن الدولة لم تتوقف.
هذه الكيانات الثلاثة بعد الاحتلال ــــــــــــــــ بعضها يحتضر ويتفسخ ولا يموت ـــــــــ كما ان الواقع المنتج لها يتفسخ هو الآخر.
الواقع كائن حي يعيش المراحل العمرية للانسان من طفولة وفتوة وشباب وشيخوخة وهرم وموت.
جان بودريار أكبر فلاسفة اوروبا حتى اليوم يثبت ذلك في “اطروحة موت الواقع”. تودورف الفيلسوف والناقد البلغاري الفرنسي الجنسية في كتابه” الأمل والذاكرة” ينعي زوال الواقع والمؤسسات والنظم الأوروبية في القرن العشرين. نحن بدافع الاستمرارية نعتقد اننا نعيش الواقع نفسه.
العراق الحالي ليس له علاقة بعراق الامس . ليس استمراراً ولا قطيعة أيضاً. ليس استمرارا لانه كيان مهجن تم تخليقه على أسس وقواعد جديدة، وليس قطيعة لان العقل السياسي النخبوي الحاكم مؤسس على العناصر نفسها للنظام السابق: الامتلاك والحيازة والعقل المحارب وفكرة السلطة استحقاق دائم والدولة في خدمة السلطة وليس في خدمة الشعب.
الواقع القديم يحتضر ولا يموت والواقع الجديد ولد متفسخا وحلّت الهويات الفرعية محل الهويات الوطنية من دون تفصيل لأن الوضع لا يتحمل الآن، وتلاشى مفهوم الوطن وحل مكانه مفهوم الحشود الموالية أو المعادية أو الصامتة أو المنتفعة أو المتضررة ، المتنفذة أو المهمشة. مات مفهوم الشعب وولدت الجماعة والمنظمة والحشود والخ.
مات العراقي صاحب الهوية الوطنية بصرف النظر عن الموقع والسكن واللهجة والطبقة والطائفة وحل مكانه العراقي التابع والخاضع والموالي والمنتمي والخ.
بدل مفهوم العدو المحتل الخارجي حلّ مفهوم العدو الداخلي في الطائفة والقبيلة والمنطقة والفكرة وتحول العدو الخارجي الى عنصر تهدئة واصلاح في الظاهر مع انه مصدر الفتن.
صارت المنافع توزع حسب موقف” الحشود” وتحولت مؤسسات الدولة الوطنية المحايدة الى ميدان توزيع المنافع والمصائب، وبدأ مع الوقت يضمحل الولاء الوطني لصالح الولاء الفرعي. انتقلت قداسة الانسان بذاته الى قداسته حسب الولاء والرمز.
النتيجة تفسخ الدولة الوطنية ـــــــــــ الدولة المركزية ــــــ وتفسخ وتمزق المجتمع الموحد وولادة دولة الاطراف والسراديب والحشود والتجمعات وولادة العراقي المهجن The Hybrid Citizen الذي يعيش صراعاً داخلياً بين هوية وطنية تتلاشى وتضعف وهويات فرعية تقوى وتتضخم.
مواطن ممزق رغم مظاهر التوازن المظهري بين الولاء للدولة والقانون والمجتمع وبين الولاء للجماعة وقوانينها وحشودها ورمزها. لا هو مواطن بمعنى المواطنة التاريخي بل هو كائن”وظيفي” يحلم بخدمات الجماعة التي وفرت له ايضاً” المكانة” التي كان يفتقرها في زحام الطبقات ووفرت له هوية فردية بين الحشود يوم كان ضائعا وصائعاً.
لم يعد ابن الوطن بل ابن الحصة والزعيم والجماعة ويحمل أكثر من هوية ومن شخصية ومن لغة ومن ولاء داخلي ورغم كل مظاهر الحماسة عندما يتواجد مع حشود لكن لا يمكن الوثوق به في لحظة منعطف ومواجهة مصيرية لأن ما ربطه بالجماعة ليس الحق والايمان الحقيقي والعدالة والوطنية بل المكسب وحصته من الغنيمة.
يوم تدور الدوائر سيفعل كما فعل اسلافه ليلة احتلال القصر الجمهوري يوم هرب الحرس الجمهوري من فوق جسر الجمهورية بالملابس الداخلية.
نعيد ما كتبناه سابقا عن ظاهرة تهجين العراقي من قبل خبراء الولايات المتحدة وبريطانيا وهذه قضية تحتاج الى الف اعادة وتكرار كغيرها في هذا الضجيج والخداع المنظم:
إن ما قامت به بريطانيا في الهند من عملية” تهجين” لتدمير الهوية الهندية بادخال المسيحية في الديانات الهندية وخلقت الهندي المهجن لا هو انكليزي ولا هو مسيحي ولا هو بوذي او هندوسي ولا هو هندي بل مخلوق” مضيع صول جعابة” وهو مثل عراقي عن فقدان التوازن أو “التهجين الثقافي Cultural hybridization” بتعبير الفيلسوف الهندي الكبير هومي بابا البروفسور في جامعة هارفرد صاحب مفهوم” الهجنة أو الفضاء الثالث للثقافة” اي تلقيح ثقافتين وانتاج ثقافة ثالثة الذي يؤدي الى الاغتراب الروحي عندما يفقد الانسان جذوره وذاكرته وهويته ، هو ما تقوم به الولايات المتحدة وبريطانيا في العراق من خلال الغاء تاريخ وهوية وثقافة عراقية عريقة وادخال ثقافة تافهة سطحية لتخليق العراقي التائه المسيطر عليه والمتحكم به .
بدأنا نرى تباشير ولادة هذا المخلوق المهجن فلا هو عراقي ولا هو أمريكي ولا هو مسلم ولا هو زنديق وأقرب الى القرقوز: بقميص مفتوح وصليب على الصدر وقصة شعر غلامية وحزام بنطال نازل للركبة ويبكي في موكب عزاء كربلائي وفي الليل محشش وسكران ويكسر الفرفوري وفي الصباح مطيرجي وفي الظهيرة في مظاهرة نازل ياخذ حقه لا يعرف كيف وممن؟.
الهدف الاستعماري البريطاني في الهند كما في العراق: إنتاج “المُحاكاة” (Mimicry) ، لم يكن الهدف الأساسي لبريطانيا في الهند هو تحويل جميع الهنود إلى مسيحيين أو إنجليز بالكامل، بل كان إنشاء طبقة وسطى هجينة وظيفياً كما تم في العراق خلق طبقة ثرية من حفاة الأمس كنخبة مالية متعالية تجمع بين السياسة والثراء والسلطة الاجتماعية واصحاب قنوات وصحف واتباع ومصارف وشركات.
كان الاستعمار يسعى لإنتاج فئة من السكان:”almost the same, but not quite” : نفس الشيء تقريباً، ولكن ليس تماماً.
ما أراده البريطانيون من نشر الكتاب المقدس لم يقبله الهنود كليا ولم يرفضوه كلياً بل أدخلوه داخل ثقافتهم حتى ظهر كمنتوج محلي وهنا الفخ والخديعة مما خلق الهندي المحرف والمهجن بالطريقة نفسها التي يجري خلق الهندي العراقي الأسمر مع بعض التغيير حسب ظروف وتاريخ وتقاليد كل بلد لكن النتيجة واحدة: صناعة مخلوق ينسى من هو وتتعدد الهوية الواحدة وتتشرذم وتصبح الهويات الفرعية في حالة عداء يجري التنظير له كواقع تاريخي قديم وهذا هو الخداع .
من سلوك النخب العراقية المهجنة التي تحاول تقليد الامريكي في كل شيء تتعرض للازدراء من الطرفين: من أبناء البلد ومن الطرف المحتل لانها لا تستطيع ان تكون هنا ولا هناك ، تفشل في التخلي عن كل تقاليدها المتجذرة وتفشل في تبني التقاليد الوافدة وتضيع المشيتين لكن هذه المهزلة لا تشغلها اكثر من وراثة تقاليد الحكم ومحاكاة النموذج الغربي في الظاهر وتلك عملية شاقة ومرهقة .
هو السبب الرئيس الذي يدفع الولايات المتحدة لكراهية التقاليد الدينية والثقافة المحلية والتاريخ الوطني لانها علامة تشبث مقابل قوة اقتلاع مما يعرقل خلق ” الفضاء الثالث” أو الكائن المهجن الذي تمكنت في احداث تصدعات هنا وهناك تحت شعارات الديمقراطية والأمن والقانون.
التهجين مفهوم محوري في دراسات ما بعد الكولونيالية وهو شكل محرف من أشكال الهوية والمعرفة والثقافة وفي هذا الانهيار الثقافي العام يتمسك قلة من الكتاب والمثقفين بالثوابت الوطنية والثقافية ويتحول هؤلاء في نظر العامة الى حفنة مجانين لانهم رفضوا الاشتراك في الوليمة العامة المفتوحة.
عند انهيار المعايير يصبح الجنون الجماعي حكمةً وشطارةً وذكاءً وعقيدةً، في حين يصبح التمسك بالضمير والثوابت الاخلاقية والثقافية نوعاً من الجنون. في زمن النفاق والاقنعة والكذب يصبح قول الحقيقة نوعا من الزور.
لقد ولد العراقي المهجن الذي وصفه أهل القلم يوما ً انه جيل جديد في الزي واللغة والعقلية وانه بشارة تمرد،” لكنه في الحقيقة جيل مثل الديك الذي حاول تعلم مشية الطاووس ولم يتعلمها ونسي مشيته:
الجيل المهجن ولد في واقع ودولة وسلطة ومجتمع بين ميت ومحتضر لكنه ينتظر اليوم الذي سيثأر به من الجميع ـــــــــــــــ كما فعل بنا طفل التاريخ المشوه السابق ــــــ ويومها سبع الليل وابن امه من يخرج للشارع ويرجع بكامل ملابسه وعكاله على رأسه ويعود بوجهه نفسه كما خرج.