تقارير وتحقيقات

الوهج الإسرائيلي على أرض الصومال .. ونُذُر الحرب الجديدة في القرن الأفريقي

كتب:هاني الكنيسي
في زحمة الأخبار وانشغال النظارة بمتابعة تأوهات الولادة المتعثرة لشبه الاتفاق الأمريكي الإيراني، لم تحظ اللقطة التي جمعت بين رئيسي كيانين مشبوهين؛ الإسرائيلي ‘إسحاق هرتسوغ’ وما يُسمّى “صومالي لاند” أو أرض الصومال، بما تستحق من اهتمام.
إذ وقف رئيس الإقليم الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله أمام مضيفه ليشكره على حسن الاستقبال له ولزوجته فردوسة محمد روبلي، معلنًا عن امتنان “ستة ملايين مسلم” في أرض الصومال لإسرائيل التي كانت “أول دولة تعترف رسميًا باستقلال البلاد”. بينما وصف ‘هرتسوغ’ الزيارة بأنها “تاريخية”، وقال إنها “ترمز إلى الإمكانات الكبيرة لهذه الشراكة الجديدة الرائعة”.
وبالإضافة لإعلان “التعاون الفوري” في مجالات الزراعة والرعاية الصحية والتكنولوجيا والأمن الإقليمي، كانت أهم ثمار هذه الزيارة “عمليًا” افتتاح سفارة أرض الصومال في القدس (بعدما افتتحت دولة الاحتلال سفارتها في ‘هَرْجيسا’ عاصمة الإقليم قبل بضعة أسابيع).
وما بين تهوين بعض المراقبين من شأن تلك العلاقة (الشاذة) وتهويل آخرين لأبعاد هذا التقارب السياسية والجغرافية وتداعياته الإقليمية والاستراتيجية، فالواضح أن الزيارة، وما تضمنته من أقوال وأفعال، ليست سوى إعلان عن مرحلة أكثر “وقاحة” في التمدد الإسرائيل لبوابات البحر الأحمر وأحشاء القرن الأفريقي.
المتابع للتحركات الإسرائيلية على هذا الصعيد، سيدرك أنها تجاوزت الاستفزاز الإعلامي والنزق الدبلوماسي إلى ما هو أكثر جدية وأشد خطورة على أرض الواقع.
فبحسب ما تداوله الإعلام العبري مؤخرًا في هذا السياق، فإن منطقة ميناء بربرة على سواحل ‘صومالي لاند’ باتت مسرحًا لأنشطة لوجيستية وعسكرية سرية متصاعدة، وتكاد “تتحول إلى قاعدة للجيش الإسرائيلي”، في إطار مخطط أوسع -مع أطراف إقليمية ودولية- للسيطرة على الممرات الحيوية في خليج عدن ومضيق باب المندب.
إذ نشرت منصة ‘ناتسيف نت’ الإسرائيلية تقريرًا مطولًا مرفقًا بصور من الأقمار الصناعية يوضح كيف أن الميناء والقاعدة البحرية في بربرة “التي أنشأتها إحدى الدول الخليجية” (أي الإمارات) وتعمل فيها بنشاط منذ عام 2017، تقترب الآن من “الوضع التشغيلي الكامل”، بينما تتسارع الإنشاءات والأعمال الهندسية في المطار، بما في ذلك بناء حظائر طائرات تحت الأرض وأنظمة دفاع جوي متطورة.
وأضافت المنصة العبرية أن نية إسرائيل إنشاء قاعدة عسكرية في ‘صومالي لاند’ تستند إلى تحركات دبلوماسية واستخباراتية مكثفة منذ صيف 2025 (وفود أمنية إسرائيلية قامت بجولات ميدانية على طول سواحل أرض الصومال للبحث عن موقع مناسب للقاعدة يسمح بشن هجمات على الحوثيين في اليمن)، مشيرةً إلى أن “مصر تراقب هذه التطورات بقلق بالغ”.
ونقلت ‘ناتسيف نت’ عن مسؤول رفيع تعقيبه قائلا: “المصلحة العليا تتطلب إنشاء موطئ قدم استراتيجي في القرن الأفريقي -على بعد 260 كيلومترا فقط من سواحل اليمن- ما يسمح للجيش الإسرائيلي بجمع المعلومات الاستخباراتية ونشر أنظمة الإنذار المبكر وتنفيذ هجمات ضد الحوثيين دون الحاجة لرحلات جوية طويلة وعمليات تزويد جوي معقدة”.
وفي التفاصيل، أشار التقرير إلى أن تحالفا غير رسمي أطلق عليه اسم “محور بربرة” قد تشكّل بالفعل، ويضم إسرائيل ودولة خليجية (أي الإمارات) وإثيوبيا وصومالي لاند، بهدف “التصدي للنفوذ الإيراني والتركي في المنطقة”.
بل إن الموقع العبري استعان بتقارير وصور التقطتها الأقمار الصناعية تكشف أن “المنشأة البحرية الجديدة قادرة على استضافة غواصات ‘دولفين’ الإسرائيلية المجهزة للاستخدام النووي والمسلحة بصواريخ كروز وبصواريخ باليستية يصل مداها إلى 1000 كيلومتر”.
وبالتزامن، أشارت ‘يسرائيل هيوم’ إلى مناقشات تتعلق بالوجود البحري الإسرائيلي في أرض الصومال وتجهيز منطقة مطار وميناء بربرة وإمكانية تقاسم دولة خليجية بالتعاون مع “قيادة أفريقيا الأمريكية” الإشراف عليها، مع إبراز دور إثيوبيا (الحبيسة جغرافيًا) التي وقعت في يناير 2024 مذكرة تفاهم مع الإقليم الانفصالي تمنحها منفذًا على البحر الأحمر.
وبرغم شح التعليقات الرسمية من تل آبيب، فإن التحليلات “الأعمق” في الإعلام العبري تربط بوضوح بين التقارب الإسرائيلي المتسارع مع ‘صومالي لاند’ من جهة والعلاقة الأمنية (أو العسكرية) الوثيقة بين إسرائيل وإثيوبيا من جهة أخرى، في مقابل ما تراه دول إقليمية أخرى، وفي مقدمتها مصر، في تلك التحالفات من تهديدات مباشرة لأمنها القومي المرتبط بالبحر الأحمر وقناة السويس وللتوازنات الجيوسياسية في القرن الأفريقي.
وفي ذلك السياق، يتحدّث أكثر من كاتب عن محور إقليمي “غير معلن” يربط بين إسرائيل والإمارات وإثيوبيا وصومالي لاند، في مقابل محور آخر يضم الصومال وتركيا ومصر (واليمن في الخلفية)، محذرين من “تنامي الاستقطاب والتوترات التي قد تتحول في لحظة إلى مواجهة عسكرية”.
ويبرر هؤلاء توقعاتهم باحتمال اندلاع “حرب كبرى” في هذه المنطقة الاستراتيجية نتيجة “تضارب مصالح” بين قوى عالمية مثل الولايات المتحدة والصين، وأخرى إقليمية مثل مصر وإسرائيل والإمارات وتركيا، وتقاطعها مع صراعات محلية كما يحدث في السودان وفي إثيوبيا، وقبلهما الصومال التي تنظر لتحركات ‘صومالي لاند’ ومشاريعه “الإسرائيلية” كانتهاك لسيادتها المعترف بها دوليًا على الإقليم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى